تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
المعرفة بجلال اللّه ، ودوام مراقبته والإستحياء منه ، فإذا وصل العبد إلى هذه المنزلة ظهرت عليه آثارها . ( وقال يحيى بن معاذ : زلة واحدة للتائب أقبح من سبعين زلة قبلها وقال ذو النون ) المصري ( حقيقة التوبة ) بمعنى الغالب من حالها ( أن تضيق الأرض عليك بما رحبت ) أي : مع رحبها أي : سعتها ( حتى لا يكون لك فرار ) ولامكان تطمئن إليه ( ثم تضيق عليك نفسك ) أي : قلبك للغم الوحشة بتأخير توبتك ولا يسعه سرور ولا أنس ( كما أخبر اللّه تعالى في كتابه بقوله :
وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا )
[ التوبة : 118 ] أي : أيقنوا
أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ
أي : وفقهم للتوبة
لِيَتُوبُوا )
[ التوبة : 118 ] فتابوا . ( وقال ابن عطاء : التوبة ) باعتبار الحامل عليها ( توبتان توبة الإنابة ، وتوبة الاستجابة ، فتوبة الإنابة أن يتوب العبد خوفا من عقوبته ) وهي توبة واجبة ( وتوبة الاستجابة أن يتوب حياء من كرمه ) وقربه تعالى ، وهي مندوبة وظاهره كما قال العلامة القونوي : إن الثانية أعلى رتبة من الأولى ، وإن كانت مندوبة وتلك واجبة لأن صاحبها ليس طالبا حظ نفسه ، بل عبودية ربه بخلاف صاحب الأولى ، وسميت الأولى توبة الإنابة لافتقارها إلى الإنابة إلى اللّه المفسرة بالرجوع إليه عما سواه ، والثانية توبة الاستجابة لاقترانها بالقرب في قوله تعالى :
فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي
[ البقرة : 186 ] وتقدّم عن الدقاق أن التوبة تكون للخوف من العقاب ، وأنها للمؤمنين والإنابة للطمع في الثواب وأنها للأولياء والأوبة لمراعاة
شرح
( قوله : أقبح من سبعين زلة الخ ) أقول لأن الجفاء في عين الصفاء أقبح منه في استمراره إذ هو من كفر النعم . ( قوله : أن تضيق الخ ) أقول قد تقدم هذا له وتقدم الكلام عليه ، ومحصله إجمالا أن يقال حقيقة التوبة أن تضيق عليك أرض الطبيعة البشرية الشهوانية مع رحبها وسعتها وتوفر قواها وتسيير مألوفاتها حتى لا يكون لك قرار تسكن إليه ثم تضيق عليك نفسك الحيوانية بغلبة اللطيفة الإنسانية عليها غما ووحشة بما جنته بجهلها ، وتسويف توبتها منه حتى تيقنت أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه ، فعند ذلك أدركتها عواطف الرحمة الإلهية فوفقها اللّه للتوبة فتابت ، وخرجت من ضيق أرض الطبيعة الحيوانية إلى فضاء اللطيفة الإنسانية . ( قوله : وتوبة الاستجابة ) أقول ومن هذا القبيل خبر : « نعم العبد صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه » . ( قوله : وإن كانت مندوبة الخ ) أقول ولا بعد فيه فقد تفضل النافلة الفريضة وذلك كما في ابتداء السلام ورده . ( قوله : لأن صاحبها ليس طالبا حظ نفسه ) أي لكونه لم يتشوّف لشيء سوى عبودية ربه ، وذلك شاهد بتمام قربه ومحبته لربه بخلاف حال الأول لتشوفه لثمرات أعماله التي