لكون الأمم الماضين عجزت عن حمل أسرار أنبيائهم ، فادخر الله تعالى ذلك لخواص الأمة المحمدية ، ولهذا صار منهم النوحيون ، والإبراهيميون واليوسفيون ، والموسويون ، والعيسويون ، بحسب ما وزع الله عليهم من أسرار الأنبياء والرسل ، فهم متفاوتون في المعارف والحقائق بحسب مقامات مورنيهم ، وإلى هذا أشار بقوله :
كراماتهم من بعض ما خصهم به * بما خصهم من إرث كل فضيلة
فإن قلت : قد قضيت بأن الولاية المحمدية جنس شامل لهذه الأنواع التي ذكرتها " فهل يعلم " التمييز بين أحد الأنواع من الآخر ؟
[ يعلم التمييز بين أنواع ولاية المحمدية بأمرين ]
قلت : يعلم ذلك ويظهر بأمرين ( أحدهما ) :
[ الأمر الأول : الكرامات التي أكرمهم الله تعالى بها ترشدنا إلى معرفة توريثهم ]
أن الكرامات التي أكرمهم الله تعالى بها ترشدنا إلى معرفة توريثهم ، فإن وقع فلق البحر لأحد من الأولياء كرامة - كما تقدم ذلك عن بعض الصالحين - علم أنه موسوى ، وإن أكرم بالدخول في النار والخروج منها سالما من غير ضرر - .
كما سيأتي ذلك في كلام ابن السبكي - علم أنه إبراهيمى ، وإن أكرم بإحياء الموتى أو بكلامهم علم أنه عيسوى ، وإن أكرم بجميع هذه المذكورة علم أنه وارث الأنبياء الذين كانت لهم هذه الكرامات معجزات ؛ إذ ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد ، وإن أكرم بنبع الماء أو بإحلائه « 1 » بعد أن كان مالحا علم أنه محمدي .
كما روى من طرق صحيحة عن سيد علماء الطريقة ، وإمام أهل الطريقة القطب الوحيد ، والغوث الفريد أبى الحسن الشاذلي رضي الله عنه أنه لما وصل إلى حميثرى « 2 » جميع أصحابه في الليلة التي مات فيها وأوصاهم
هامش
( 1 ) إحلائه : أي تحويله إلى ماء عذب .
( 2 ) جبل على البحر الأحمر يتبع مدينة القصير إحدى مدن محافظة البحر الأحمر وضريحه مزار يأتيه الأتباع والمريدون والمحبون ويقام حوله احتفال سنوى كبير . -