تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
التفرد في الأجسام والحجب المانعة حتى إذا ضرب على وجهه مثل هذا الحجاب الذي جسمه حقيقة العمى يدرك من ورائه ما احتجب عنه ، ولهذا جعل الشاهد له مقابلا للعماء الذي قد احتوى على صورة متفردة مقيدة ، ولا يمكن سماع الخطاب في هذا الشهود أبدا لأن المخاطب محتجب خاف في الظلمة المذكورة لا يعرف له أبنية ولا شهد الشاهد صورته إلا إدراكا وكذلك الخطاب لا يسمع سماعا ، لكنه يدرك إدراكا قلبيا على سبيل الانتقاش ، ومثاله الناظر في المرآة المعهودة وهو متكلم ، فإنه شهد صورته المنطبعة متحركة الشفتين ، ولا يفهم منها ما يقول لكنه يتصور انطباع الحروف التي نطق بها في باطن هذه الصورة ، وكذلك هذا الشاهد ، فإنه يرسل إليه الخطاب هاهنا في صورة إدراك فيلحظ حركة شفتيه وانتقاش حروف في مرآة قلبه ، فينبغي أن يكون شديد الحس قادرا على التحديد العلمي ، ومرآة قلبه تظهر شريعة التمييز ، تكون قوية الجذب حتى يحصل له فهم مثل هذا الخطاب ، والنور الذي كان محلا في هذا الشهود هو المحيط بالعماء وهو الذي نشأ عنه العرش الذي كان على الماء والسبيل التي أرسل فيها هذا الخطاب إلى الشاهد هي التي جرى فيها الماء ومن محل هذا الشهود كان ينبوعه ، فقد كان هذا الشاهد في حال هذا الخلع مريدا للدخول في الصورة التي كانت قبل الأولية ، لأن هذا الشهود لا يحصل إلا هناك ويتيقن الشاهد أنه قبل الوجود ، وهذا قبل
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ الأعراف : 172 ] . وقوله : ( وطلوع نجم العبودية ) حيث ذكر أحدية الرب اضطر إلى طلوع نجم العبودية ، ليتمكن له هذا الشهود ، وليست هذه الأحدية أحدية الذات المعبّر عنها بالإطلاق ، وإنما هي الأحدية التي تميز الأسماء ، وتجعلها واحدا ، وفي الظاهر لا تطلق على آحاد الأسماء ، لأن كل ما له مثل معنى ، أو صورة ، لا يجوز إطلاق هذا الاسم عليه وإنما أطلق هذا الشاهد الأحدية على هذا الاسم ، وهو الرب لأنه إنما تفرد بشرط غيبة الأسماء الباقية كان فيه جميع الأسماء فانية في الظهور وباقية في المعنى ، ولا معنى للأحدية إلا اسم يفني التمييز ، ويبقي المعاني ، ويظهر منفردا ، فهذا الخطاب من قبل الحقيقة ، وهو محال في الظاهر ، فلما كان مقابلا للعماء في حال هذا الشهود وأرسل إليه الخطاب المذكور في صورة الملاحظة حصل له تردد في عدم المخاطب ووجوده لأن من صفة الخطاب العرفي أن يكون المتخاطبان ظاهران ، كل واحد منهما للآخر صورة ، فلما حصل له هذا الخطاب إدراكا بغير شهود عياني ، لكن إدراكا أيضا مال إلى الجزء عسى يحصل له القطع بوجود المشهود ، فجرى آتيا جريا حقيقيا من خلاف إلى أمام ، فشهد هذا الطالع المذكور في معرض الجري ظاهرا بصفة العبودية فمكّن له الشهود وتيقن بواحدية الرب التي ووري عنها بالأحدية من حين شهوده للطالع متصفا بصفة العبودية ، ولما كان هذا الطالع