ولذلك سمّوه كلّهم إلها مع اسمه الخاصّ بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب أو ملك . هذا اسم الشّخصيّة فيه .
والألوهيّة مرتبة تخيّل العابد له أنّها مرتبة معبوده ، وهي على الحقيقة مجلى للحقّ لبصر هذا العابد المعتكف على هذا المعبود في هذا المجلى المختصّ . ولهذا قال بعض من عرف مقالة جهالة
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزمر : 3 ] مع تسميتهم إيّاهم آلهة .
حتّى قالوا :
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ
( 5 ) [ ص : 5 ] ، فما أنكروه بل تعجّبوا من ذلك ، فإنّهم وقفوا مع كثرة الصّور ونسبة الألوهيّة لها .
فجاء الرّسول ودعاهم إلى واحد يعرف ولا يشهد ، بشهادتهم أنّهم أثبتوه عندهم واعتقدوه في قولهم :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
.
شرح
( ولذلك ) ، أي لكون كل معبود مجلى للحق وإن لم يعرف العابد ذلك ( سموه ) ، أي سمى العابدون ( كلهم ) ، ذلك المجلى ( إلها مع اسمه الخاص ) ، حيث يسمى ( بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب أو ملك هذا اسم الشخصية ) ، أي التعين ( فيه ) بالنظر إلى نفسه ( والألوهية مرتبة تخيل العابد له أنها مرتبة معبوده ) الخاص ( وهي على الحقيقة مجلى للحق لبصر هذا العابد الخاص المعتكف على هذا المعبود في هذا المجلى المختص . ولهذا ) ، أي لأن المعبود الخاص مجلى للحق لنص هذا العابد المحجوب بتعين معبوده الذي هو المجلى الخاص ( قال من عرف ) ، أي كان من استعداده الفطري أن يعرف الأمر على ما هو عليه ، وهو أن معبوده الخاص على الحقيقة مجلى للحق وإن لم يعرف بالفعل ( مقالة جهالة ) أي ناشئة عن جهالته بما هو الأمر عليه (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى) [ الزمر : 3 ] ، وإنما كانت هذه المقالة مقالة جهالة ، لأنه جعل ما هو مجلى إلها مقربا إليه مع أن كونه مجلى إلهيا يقتضي العينية وكونه مقربا يقتضي الغيرية ( مع تسميتهم إياهم آلهة حتى قالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب فما أنكروه ) ، أي الإله الواحد ( بل تعجبوا من ذلك ) ، أي من جعل الآلهة إلها واحدا لغرابته بالنسبة إلى عقائدهم المأنوسة وتقليداتهم المألوفة ( فإنهم وقفوا مع كثرة الصور ونسبة الألوهة لها ) ، أي إليها ( فجاء الرسول ودعاهم إلى إله واحد يعرف ولا يشهد ) ، على صيغة المبني للمفعول فإنه من حيث وحدته الحقيقية معلومة غير مشهودة بالبصر ( بشهادتهم ) ، متعلق الواحد ، أي دعاهم الرسول إلى الإله الواحد الحق بشهادتهم ( أنهم أثبتوه عندهم واعتقدوه في قولهم :ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى.