دلالة : إذا رأيت نفسك تكسل عن العبادة في الخلا ، وتنشط لها في الملا ، فاعلم أنك عن الإخلاص لم تحم حومة الخواص .
علامة : المخلص يزداد نشاطه ، إذا خلا بالحق وبعد عن نواظر الخلق .
دلالة : كل عمل تعمله لأجل المخلوقين ، يبعدك عن رب العالمين ، فأقم على نفسك الميزان ، وانظر هل أنت في كفة الرجحان أم في كفة النقصان .
علامة : المخلص إن قام قام باللّه ، وإن قعد قعد مع اللّه ، وإن تحرك لا يقصد إلا اللّه ، وإن سكن اطمأن باللّه ، وإن سأل سأل من اللّه ، وإن عمل عمل للّه ، وإن أعطى أخذ من يد اللّه جميع شؤونه من اللّه إلى اللّه ، وفي اللّه وباللّه ، اللّه اللّه اللّه ، لا حول ولا قوة إلا باللّه « 1 » .
هامش
( 1 ) قال الشرقاوي : قيل لسهل بن عبد اللّه رضي اللّه عنه : أي شيء أشد على النفس ؟ فقال : الإخلاص ، وكم أجهد في إسقاط الرياء عن قلبي ، فكأنه ينبت فيه على لون آخر .
قال أبو طالب رضي اللّه عنه : والإخلاص عند المخلصين : إخراج الخلق من معاملة الخالق ، وأول الخلق النفس .
وعند المحبّين : ألا يعمل عملا لأجل النفس ، وإلا يدخل عليه مطالعة العوض ، أو تشوف إلى حظ طبع .
وعند الموحدين : خروج الخلق من النظر إليهم في الأفعال ، وترك السكون والاستراحة بهم في الأحوال انتهى .
فإذا حمل العبد في نفسه وألزمها التواضع والمذلّة ، واستمرّ على ذلك حتى صار له خلقا وحيلة بحيث لا يجد لضعته ألما ولا لمذلته طعما زكت نفسه واستنار بنور الإخلاص قلبه ، ونال من ربه أعلا درجات الخصوصية ، وحصل أو في حظ ونصيب من المحبة الحقيقية ، فهذا لا يكره الذم من الخلق ؛ لوجود النقص في نفسه ولا يحب المدح منهم ؛ لفقد القدر والمنزلة في نفسه ، فصارت الذلة والضعة صفة لازمة له ، لزوم العرض للجوهر ، فإن كان مع اللّه تعالى بالذل طلبه واستحلاه ، كما يطلب المتكبر العز ويستحليه إذا وجده ، فإن فارق ذلك الذل ساعة لغيّر قلبه لفراق حاله ، كما أن المتعزز إن فارق العز ساعة تكدر عليه عيشه ؛ لأن ذلك عيش ، فإذا لا بدّ للمريد إسقاط جاهه وإخمال ذكره ، وفراره عن موضع اشتهاره وتعاطيه أمورا مباحة تسقطه من أعين الناس ، كقصة السائح الذي سمع به ملك زمانه فجاء إليه ، فلما علم بذلك السائح استدعى بقلا وجعل يأكله أكلا عنيفا بمرأى من الملك ، فلما رآه على تلك الحالة استحقره واستصغره فانصرف عنه ذا ماله .
وقد بالغ بعضهم في مداواة علة الجاه الذي علق في القلوب ، حتى استعملوا في ذلك أشياء منكرة في ظاهر الشرع ، ورأوا فعل ذلك جائزا لهم ولغيرهم ، وذلك مثل قصة الرجل الذي دخل الحمام ولبس من فاخر ثياب الناس ، بحيث تظهر ومشي بذلك متمهلا بحيث يرى ويظن بذلك -