وفي قوله تعالى :
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
[ طه : 11 ، 12 ] ، قيل لموسى : كيف عرفت أن النداء هو نداء الحق ؟ فقال : أفناني وشملني ، فكان كل شعرة مني ، كان مخاطبا بنداء من جميع الجهات ، وكأنها تعبر عن نفسها بجواب ، ولما شملتني أنوار الهيبة ، وأحاطت لي أنوار العزة والجبروت ؛ علمت أنه ليس لأحد أن يخبر عن نفسه باللفظين جميعا متتابعا إلا الحق .
قال : وكان هو محل الفناء ، فقلت أنت ، أنت لم تزل ، وليس لموسى معك مقام ، ولا له جرأة على الكلام ؛ إلا أن تبقيه ببقائك تنعته بنعوتك ، فتكون أنت المخاطب والمخاطب جميعا .
قال : لا يحمل خطابي غيري ولا يجيبني سواي ، أنا المتكلم والمكلم وأنت في الوسط شبح يقع بك محل الخطاب .
وفي قوله :
وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ
[ النور : 39 ] ، قال ابن عطاء : ما وجد الخلق سوى الحق « 1 » .
وفي قوله تعالى :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ
[ فصلت : 53 ] ، قال الخطمي : لا يزال العبد يرتقي من حال إلى حال ؛ حتى يبلغ الأحوال السنيّة العالية ، ويرى اللّه قائما بالأشياء فانية في رؤية الحق ، ويتيقن أن القديم إذا قورن بالحادث لا يثبت له أثر ، وإن جل قدره وعظم خطره .
وهو معنى قوله :
آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
[ فصلت : 53 ] ، وهو النظر إلى الكون يشاهد الحق ، ثم النظر إلى الحق بالفناء عن الكون ، وهو أن تصير النعوت نعتا واحدا ولا يشهد إلا حقّا صرفا .
وسئل أبو عثمان عمن يقول بالشاهد ، وقال : لا أنكر القول لمن يشهد الأشياء كلها شيئا واحدا .
هامش
( 1 ) قال ابن عجيبة : الإشارة : كل من لم يتحقق بمقام الإخلاص كانت أعماله كسراب بقيعة ، يحسبه الظمآن ماء ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، ووجد اللّه عنده ، فوفاه حسابه ، أي : يناقشه فيما أراد بعلمه ، وأهل التوحيد الخاص : الوجود كله ، عندهم ، كالسراب ، يحسبه الناظر إليه شيئا ، حتى إذا جاءه بفكرته لم يجده شيئا ، ووجد اللّه عنده وحده ، البحر المديد ( 4 / 249 ) .