بذلك ، جيء إليه بنهر من الحوض الكوثر ، الذي هو حوض النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، فيشرب منه شربة ، لا يظمأ بعدها . فإذا سكر بلذة ذلك الشراب الطهور ، أبرز الحق تعالى له أسماءه وصفاته ، فيجاريه العبد في ذلك ، فلا يظهر الحق تعالى له صفة ، ولا يجاريه العبد في ذلك ، حكمة إلهية ! لأنه لا يطلعه ، في هذا المنظر ، إلا على الصفات التي سايره العبد فيها ، ويكتم عنه ما يستأثر باتصافه تعالى ، إكراما للعبد في هذا المشهد .
فيخرج العبد من هذا المنظر ، وقد ساير الحق تعالى ، في جميع ما علمه فيه ، من أسمائه وصفاته .
آفة هذا المنظر : هو وجودك في حضرة الحق تعالى ، وذلك حجاب . فقد قيل شعرا :
وجودك ذنب لا يقاس به ذنب
* * *
منظر ( التعليم )
يؤدب الحق تعالى عباده ، في هذا المشهد ، بأنواع الأدب ، فيتعلمون فيه من الحق : كيفية الدخول في الحضرات ، وكيفية الخروج عنها ، وكيفية الوقوف في كل حضرة ، وكيفية العمل اللائق بكل مقام ، وكل حال ، ويتعلمون فيه من الحق علوما تجل عن الكشف ، فلا نرفع لها سترا .
وفي هذه الحضرة : من التحف ما لا يخطر على قلب بشر ، ولا حضرة نبي ، ولا ملك .
رأيت عباد اللّه ، في هذا المنظر ، على أمكنة مختلفة :
- فمنهم من يذهب اللّه تعالى به ، في هذا المنظر ، عشر درجات .
- ومنهم من يذهب به عشرين درجة ، وثلاثين ، وأربعين ، وخمسين ، إلى ما لا نهاية له من الدرجات .
وكلما وصل درجة ، وجد فيها مفتاح خزانة من العلوم الإلهية . فإذا ترقى منها ، ترك ذلك المفتاح ، في تلك الدرجة ، لمن يصل بعده ، فيمر عليها . وهكذا جميع درجات هذا المنظر .
سألت عن آخر هذه الدرجات ، فقيل لي : لا حد لآخرها ، ولا نهاية لغايتها ! .