إفهم قوله تعالى :
حَتَّى نَعْلَمَ
[ محمّد : 31 ] فتعلم ، إن كنت ذا فهم ، من أعطاه العلم ؟ من علم الشيء قبل كونه ، فما علمه من حيث كونه ، وإنما علمه من حيث عينه ، من أين علم أنّ العين يكون ، وليس في العدم مكون ؟
هذا القدر من العلم ، أعطاه جوده ، وحكم به وجوده .
* * * ومن ذلك ، ولاية البشر عين الضرر ، من الباب الخمسين ومائة :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[ البقرة : 30 ] يؤمن به من كل خيفة ، أعطاه التقليد ، ومكّنه من الإقليد ؛ فتحكّم به في القريب والبعيد . وجعله عين الوجود ، وأكرمه بالسجود ؛ فهو الروح المطهّر ، والإمام المدبّر .
شفّع الواحد عينه ، وحكم بالكثرة كونه . وإن كان كل جزء من العالم مثله في الدلالة ، ولكنه ليس بظلّ . . فلهذا انفرد بالخلافة ، وتميّز بالرسالة ؛ فشرّع ما شرع ، وأتبع - فهو واسطة العقد ، وحامل الأمانة والعهد .
حكم فقهر ، حين تحكّم في البشر ؛ فظهر النفع والضرر . فأول من تضرّر هو - كما ذكر - ثم إنه لم يقتصر ، حتى آذى الحق وسبّه ؛ وأعطاه قلبه ، وعلم أنه ربّه ، فأحبّه ، ولمّا حسده وغبطه ، أغضبه وأسخطه .
ثم بعد ذلك هداه ، وأرضاه ، واجتباه .
فلولا قوة الصورة ما عتى ، ولرجوعه إلى الحق سمي فتى . بالجود في إزالة الغرض ، وأزال بزواله المرض . وقام الأمر على ساق ، وحصل القمر في اتساق ،
وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ( 29 ) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ
( 30 ) [ القيامة : 29 ، 30 ] .
إن اللّه يزع بالسلطان ، ما لا يزع بالقرآن . فإن السلطان ناطق خالق ، والقرآن ناطق صامت ! فحكمه حكم المائت ، لا يخاف ولا يرجى ، ولا يطرد ولا يزجى . وما استند الصّدّيقون إليه ، ولا عوّل المؤمنون عليه ؛ إلا لصدق ما لديه .
فالقرآن أحقّ بالتعظيم من السلطان ، لأنه الكلام المجيد الذي
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
( 42 ) [ فصّلت : 42 ] لا رادّ لأمره ، ولا معقّب لحكمه . يصدّق في نطقه ، ويعطي الشيء واجب حقّه . فهو النور ، والسلطان قد يجور .
* * *