لأن المؤمن قد آمن الموجودات مما لا تقتضيه حقائقها . فمن اقتضت حقيقته السعادة فقد أمّنه من الشقاوة . ومن اقتضت حقيقته الشقاوة فقد أمنه من تغييره عن ( مرتبته لأنه لو غيره عما تقتضيه حقيقته لم يكن معطيا له كمال وجوده . فأعطى سبحانه كل موجود ما اقتضته حقيقته ذلك الموجود ) « 1 » ولو لم يفعل ذلك لم يكن مقسطا تعالى اللّه عن ذلك .
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
« 2 » .
وهذا القسط والعدل هو عين الجود والفضل لأن به أعطى الموجودات مراتبها ولو لم يكن كذلك لعدمت المراتب وبذلك حصل الكمال . لأنه لو لم يعط الأشقياء شقاوة تقتضيها « 3 » ذواتهم لكانت مرتبة الشقاوة معدومة من الوجود ، وكان الوجود حينئذ ناقصا مرتبة من المراتب . والجود الإلهى قد أحكم هذا الوجود فلم يجعل فيه نقصا بوجه من الوجوه ، لأنه لم يترك سبحانه وتعالى مرتبة من المراتب ، ولا حقيقية من الحقائق إلّا وقد أوجده في مرتبته ومحله كما ينبغي . فلم يدخر عن الوجود شيئا . فلا أكمل من هذا الوجود وهذه هي أكملية الحق تعالى فافهم ، إن كنت ممن يفهم .
ولهذا الاسم اعتبار آخر ، وهو :
أن يكون المؤمن مشتق من الإيمان الذي هو صفة العبد الذي آمن باللّه تعالى فيكون المعنى : أنه سبحانه وتعالى عين العبد الذي قد آمن به أنه عينه .
هامش
حيث ذكر مناسبات الحديث وقال : رواه أبو القاسم بن بشران في أماليه ، والقضاعي عن أبي هريرة وأنظر الحديث قبل السابق وتخريجاته فهما في بعض الروايات جزء واحد ، أي حديث واحد من أن ابن عباس قال : كنت رديف النبي صلّى اللّه عليه وسلم فالتفت إلىّ وقال :
« يا غلام احفظ اللّه يحفظك ، احفظ اللّه . . . » وفيه هذا الجزء الذي أورده الجيلى هنا .
( 1 ) ما بين القوسين من الهامش .
( 2 ) الآية رقم 46 من سورة فصّلت مكية .
( 3 ) في نسخة الأصل : ( تقتضيه )