وأوّل الإنجيل باسم الأب والأم والابن ، كما أن أول القرآن بسم اللّه الرحمن الرحيم ، فأخذ هذا الكلام قومه على ظاهره ، فظنوا أن الأب والأم والابن عبارة عن الروح ومريم وعيسى ، فحينئذ قالوا : إن اللّه ثالث ثلاثة ، ولم يعلموا أن المراد بالأب هو اسم اللّه ، والأم كنه الذات المعبر عنها بماهية الحقائق ، وبالابن الكتاب ، وهو الوجود المطلق لأنه فرع ونتيجة عن ماهية الكنه ، قال اللّه تعالى :
وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
« 1 » إشارة إلى ما ذكر ، وقد سبق بيانه في محله ، وإليه أشار عيسى بقوله :
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ
أن أبلغه إياهم ، وهو هذا الكلام ثم قال :
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ
حتى يعلم أن عيسى عليه السلام لم يقتصر على ظاهر الإنجيل ، بل زاد في البيان والإيضاح بقوله :
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ
لينتفي ما توهموه أنه هو الرب وأمه والروح ، وليحصل بذلك البراءة لعيسى عند اللّه لأنه بين لهم فلم يقفوا على ما بين لهم عيسى ، بل ذهبوا إلى ما فهموه من كلام اللّه تعالى ، فقول عيسى في الجواب :
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ
على سبيل الاعتذار لقومه ، يعني أنت المرسل إليهم بذلك الكلام الذي أوله بسم الأب والأم والابن ، فلما بلغتهم كلامك حملوه على ما ظهر لهم من كلام ، فلا تلمهم على ذلك ، لأنهم فيه على ما علموه من كلامك ، فكان شركهم عين التوحيد ، لأنهم فعلوا ما علموه بالإخبار الإلهي في أنفسهم ، فمثلهم كمثل المجتهد الذي اجتهد وأخطأ فله أجر الاجتهاد ، فاعتذر عيسى عليه السلام لقومه بذلك الجواب للحقّ حيث سأله :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
، ولهذا تطرّق إلى أن قال :
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
ولم يقل في قوله : وإن تعذّبهم فإنك شديد العقاب ، ولا ما يشابه ذلك ، بل ذكر المغفرة طلبا لهم من الحق إياها حكما منه بأنهم لم يخرجوا عن الحقّ ، لأن الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم لا يسألون الحقّ تعالى لأحد بالمغفرة وهم يعلمون أنه يستحقّ العقوبة ، قال اللّه تعالى :
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ
« 2 » وهكذا جميع الأنبياء ، فكان طلب عيسى لقومه المغفرة عن علم أنه يستحقون ذلك ، لأنهم على حقّ في أنفسهم ولو كانوا في حقيقة الأمر على الباطل ، فكونهم على حق في معتقدهم هو الذي يؤول إليه أمرهم ، ولو كانوا معاقبين على باطلهم الذي عليه حقيقة أمرهم ، ولهذا
هامش
( 1 ) آية ( 39 ) سورة الرعد .
( 2 ) آية ( 114 ) سورة التوبة .