مستجابة باعتبار أن المملكة الكبرى لا تنبغي لأحد من بعد اللّه وهو حقيقة سليمان فقد صحت الدعوة له فقد صدقت . وإن قلت : إن دعوة سليمان غير مستجابة باعتبار عدم قصر الخلافة عليه وأن ذلك قد صح لمن بعده من الأقطاب والأفراد فقد صدقت ، فاعتبر كيف شئت ، فلما علم داود امتناع قصر الخلافة عليه ترك هذا الطلب ، فطلب سليمان تأدبا إلهيا يريد تفرّده بالمظاهر الإلهية لتفرّد حقه بها ، وهذا ولو كان ممتنعا فهو جائز الطلب للوسع الإلهي والإمكان الوجودي ، ولكن لا يعلم أحد صحّ له ذلك أم لا ، وفي هذا المقام أخبر الحق تعالى عن أوليائه فقال تعالى :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
« 1 » و
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
« 2 » فصار من هذا الوجه ممتنعا ، فلهذا قال الصديق الأكبر : العجز عن درك الإدراك إدراك . وقال عليه الصلاة والسلام : « لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك « 3 » فتأدب صلّى اللّه عليه وسلم في طلب ما لا يمكن حصوله ، واعترف بالعجز لكمال ربه . وكان عليه الصلاة والسلام أعرف بربه من سليمان ، لأن سليمان عرف ما ينتهي فطلب حصوله ، ومحمدا صلّى اللّه عليه وسلم عرف ما لا ينتهي فتأدب عن طلب إدراك ما لا يدرك ، أعني تأدب فترك الدعاء بحصول ذلك لعلمه أن اللّه تعالى لم يجعله لأحد ، وإنه خصوصية فيه ذاتية استأثر اللّه تعالى بها عن سائر خلقه ، فانظر بين من لمعرفته بربه حد ينتهي ، وبين من لا حدّ لمعرفته بربه ولا نهاية لها . وفي هذا المقام قال المحمديون من الأولياء ما قالوا ، فقال شيخنا للشيخ عبد القادر الجيلاني : معاشر الأنبياء أوتيتم اللقب وأوتينا ما لم تؤتوه ، هكذا روى عنه الإمام محيي الدين بن العربي في الفتوحات المكية بإسناده ، وقال الشيخ الولي أبو الغيث بن جميل رضي اللّه عنه : خضنا أبحرا وقف الأنبياء بساحله « 4 » . وهذا الكلام وإن كان له وجه من التأويل ، فمذهبنا أن مطلق النبيّ أفضل من مطلق الوليّ ، وسيأتي الكلام على النبوّة والولاية في هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى ، واللّه يهدي إلى الصواب .
الباب الثامن والثلاثون : في الإنجيل
أنزل اللّه الإنجيل على عيسى باللغة السريانية ، وقرىء على سبع عشرة لغة ،
هامش
( 1 ) آية ( 91 ) سورة الأنعام .
( 2 ) آية ( 180 ) سورة الصافات .
( 3 ) مسلم في : الصلاة ( 222 ) ، وأحمد 1 / 96 .
( 4 ) كذا بالأصل : « بساحله » بعود الضمير مفردا .