تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
أيده ب
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
« 1 » يعني : أن جميع العالم المعبر عنه بالآفاق وفي أنفسهم هو الحق ، ثم بين فصرح في قوله في حقّ محمد صلّى اللّه عليه وسلم :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
وفي قوله :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
« 2 » فاهتدى قوم محمد صلّى اللّه عليه وسلم بذلك إلى حقيقة الأمر ولهذا لم يحصروا الوجود الحقي في آدم وحده ، لأن الآية ما عينت إلا آدم وحده ، ولكن تأدبوا وعلموا أن المراد بآدم كل فرد من أفراد هذا النوع الإنساني وشهدوا الحق في جميع أجزاء الوجود بكماله امتثالا للأمر الإلهي وهو قوله تعالى :
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
وكذلك محمد صلّى اللّه عليه وسلم والمسلمون ، فلو أنزلت مثل هذه الآية في الإنجيل لاهتدى قوم عيسى إلى ذلك ، ولا يكون هذا ، لأن كل كتاب أنزله اللّه تعالى لا بدّ أن يضلّ به كثيرا ، ويهدي به كثيرا ، كما أخبر سبحانه وتعالى في القرآن بذلك ؛ ألا ترى إلى علماء الرسوم كيف ضلوا في تأويل هاتين الآيتين فذهبوا فيهما إلى ما ذهبوا إليه ، ولو كان ما ذهبوا إليه وجها من وجوه الحق ولكن تحكمت عندهم لها أصول بعدوا بها عن اللّه وعن معرفته ، وقد اهتدى أهل الحقائق بهما إلى معرفة اللّه تعالى ، فعين ما اهتدى به هؤلاء ضلّ به أولئك ، قال اللّه تعالى :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
« 3 » يقال فسقت البيضة إذا فسدت ولم تصلح للتفريخ ، فالمراد به هنا قوم فسدت به قوابلهم عن القبول للتجلي الإلهي لما تصوّر عندهم من أن اللّه تعالى لا يظهر في خلقه ، بل لا يظهر لهم . ثم لما وجدوا ما يريد ذلك من الأصول التنزيهية التي حكم فيها بالذات الإلهية وتركوا الأمور العينية أخذوا بالأوصاف الحكمية ، ولم يعلموا أن تلك الأوصاف الحكمية هي بعينها على كمالها ، لهذا الأمر العيني والوجود الخلقي الحقي ، وقد أخبر الحق سبحانه وتعالى عن نفسه بذلك في مواضع من كتابه كما في قوله :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
وقوله :
( وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
« 4 » وقوله :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
وقوله :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
وقوله عليه الصلاة والسلام : إن اللّه سمع العبد وبصره ويده ولسانه « 5 » وأمثال ذلك إلى ما لا يمكن حصره فافهم ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل .
هامش
( 1 ) آية ( 53 ) سورة فصلت . ( 2 ) آية ( 80 ) سورة النساء . ( 3 ) آية ( 26 ) سورة البقرة . ( 4 ) آية ( 21 ) سورة الذاريات . ( 5 ) البخاري ( 6502 ) ، وأحمد 6 / 256 .