ذلك أن قول سليمان :
« رَبِّ
هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي »
« 1 » إنما أريد به التحدّي والظهور بهذه الخلافة ، وهو الذي لا ينبغي لأحد من بعد سليمان على الكمال ، وأما في بعض الأشياء دون بعض فقد ظهرت به الأنبياء وتبعهم فيه الأولياء رضوان اللّه عليهم .
واعلم أن الزبور في الإشارة عبارة عن تجليات صفات الأفعال ، والتوراة عبارة عن تجليات جملة أسماء الصفات فقط والإنجيل عبارة عن تجليات أسماء الذات فقط ، والفرقان عبارة عن تجليات جملة الصفات والأسماء مطلقا الذاتية والصفاتية ، والقرآن عبارة عن الذات المحض ، وقد سبق الكلام على القرآن والفرقان والتوراة ؛ وكون الزبور عبارة عن تجليات صفات الأفعال فإنه تفصيل التفاريع الفعلية الاقتدارية الإلهية ، ولذلك كان داود عليه السلام خليفة على العالم فظهر بأحكام ما أوحي إليه في الزبور ، فكان يسير الجبال الراسيات ويلين الحديد ويحكم على أنواع المخلوقات ؛ ثم ورث سليمان ملكه ، فكان سليمان وارثا عن داود ، وداود وارثا عن الحق المطلق ، فكان داود فضل لأن الحق آتاه لخلافة ابتداء وخصه بالخطاب في قوله تعالى :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
« 2 » ولم يجعل ذلك لسليمان إلا بعد طلبه على نوع الحصرة وعلم داود أنه لا يمكن لأحد أن تقصر الخلافة عليه ظاهرا وباطنا ، فلم يعطه الحق إلا من حيث الظهور . ألا ترى إلى قوله تعالى حيث أخبر عن سليمان أنه قال :
رَبِّ
هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
فقال في جوابه :
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ
« 3 » ثم عدد ما أوتي سليمان من الاقتدارات الإلهية ولم يقل فآتيناه ما طلب لأن ذلك ممتنع اقتصاره على أحد من الخلق لأنه اختصاص إلهي ، فمتى ظهر الحق تعالى في مظهر بذاته كان ذلك المظهر خليفة اللّه في أرضه ، وإليه الإشارة في قوله تعالى :
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
« 4 » يعني : الصالحين للوارثة الإلهية ، والمراد بالأرض هنا الحقائق الوجودية المنحصرة بين المجالي الحقية والمعاني الخلقية وإليها الإشارة في قوله :
إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ
فإن قلت : إن دعوة سليمان
هامش
( 1 ) آية ( 35 ) سورة ( ص ) .
( 2 ) آية ( 26 ) سورة ( ص ) .
( 3 ) آية ( 36 ) سورة ( ص ) .
( 4 ) آية ( 105 ) سورة الأنبياء .