وخرج يوما من المسجد فلقيه رجل فسبه فثار عليه العبيد والموالي ، فقال لهم زين العابدين : مهلا عن الرجل ، ثم أقبل الرجل عليه ، وقال : ما ستر عليك من أمرنا أكثر ، ألك حاجة نعينك عليها ؟ فاستحى الرجل ، فألقى [ إليه ] خميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم ، فكان الرجل بعد ذلك يقول : أشهد أنك من أولاد الرسل .
ودخل على محمد بن أسامة بن زيد في مرضه فجعل محمد يبكي فقال له :
ما شأنك ؟ قال : عليّ دين ، قال : كم هو ؟ .
قال : عشرة آلاف دينار ، فقال : هو عليّ ، وأقبل خادم له مسرعا بشواء من التنور لضيف عنده فسقط من يده على بنيّ له فأصاب رأسه فقتله ، فقال له :
أنت حر لوجه اللّه لأنك لم تتعمد ، وأخذ في جهازه ابنه .
ولما حج هشام بن عبد الملك قبل أن يلي الخلافة اجتهد أن يستلم الحجر فلم يمكنه ، وجاء زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان اللّه عليهم أجمعين فوقف له الناس وتنحوا حتى استلم الحجر ، ونصب لهشام منبر فقعد عليه فقال له أهل الشام : من هذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا أعرفه ، فقال الفرزدق :
لكن أعرفه ، هذا علي بن الحسين [ ق 35 / أ « 1 » ] :
هذا ابن خير عباد اللّه كلهم * هذا التقى النقي الطاهر العلم
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم
يكاد يمسكه عرفان راحته * عند الحطيم إذا ما جاء يستلم
ما قال لا قط إلا في تشهده * لولا التشهد كانت لاؤه نعم
إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
إن عد أهل النفن كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهلة * بجده أنبياء اللّه قد ختموا
وليس قولك من هذا بضائره * العرب تعرف ما أنكرت والعجم
يغضي حياء ويغضى من مهابته * ولا يكلم إلا حين يبتسم
هامش
( 1 ) الأبيات في ديوان الحماسة ( 2 / 284 ) ، والأغاني ( 10 / 378 ، 380 ) ، ( 15 / 315 ) ، ( 21 / 378 ) ، وصبح الأعشى ( 11 / 261 ) ، وخزانة الأدب ( 2 / 378 ) .