ودخلت المسجد فقال لي أبو يزيد : لا يجوز التيمم في الحضر فتذكرت ذلك وخرجت .
قال : اطلع اللّه تعالى على قلوب أوليائه فمنهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفا فأشغلهم بالعبادة ، وقال : إن في الليل والنهار لشرابا لقلوب أهل المعرفة ، فإذا شربوا طارت قلوبهم في الملكوت حبا للّه وشوقا إليه ، فبذلك يقطعون لياليهم إذا أظلمت عليهم ، ألا وإن الناظرين إليه لا [ إلى غيره ] ذهبوا بصفو الدنيا والآخرة ، ثم أنشد :
غرست الحب غرسا في فؤادي * فلا أسلوا إلى يوم التناد
جرحت القلب مني باتصال * فشوقي زايد والحب بادي
سقاني شربة أحيا فؤادي * بكأس الحب من بحر الوداد
فلو لا اللّه يحفظ عارفيه * لهام العارفون بكل وادي
وروي أنه غسل ثوبه في الصحراء مع صاحب له ، فقال له صاحبه : تعلق الثياب على جدران الكروم ، فقال : كيف نغرز الوتد في جدران الناس بغير إذنهم ؟ فقال : نعلقه على الأشجار ، فقال : إنه يكسر الأغصان ، فقال : نبسطه على الأدخر ، فقال : إنه علف الدواب لا يسره عنها ، فولى ظهره إلى الشمس وجعل القميص على ظهره حتى جف جانب ، ثم قلبه على الوجه الآخر حتى جف جانبه الثاني .
وقيل : إنه دخل يوما إلى الجامع فغرز عصاه في الأرض ، فسقطت ووقعت على عصا شيخ بجنبه ركز عصاه في الأرض ، فأسقطها فانحنى الشيخ وأخذ عصاه ، فمضى أبو يزيد إلى بيت ذلك الشيخ واستحله ، وقال : إنما أحتاج سجني بسبب وقوع عصاي على عصاه ، ورأى رجلا ، فقال له :
ما حرفتك ؟ فقال الرجل : خربنده « 1 » ، فقال له [ ق 28 / ب ] أبو يزيد : أمات اللّه حمارك ! لتكون عبد اللّه لا عبد الحمار .
هامش
( 1 ) كلمة فارسية تعني سائق عربة يقودها حمار ، أو مهنة حمّار ، واللّه أعلم .