وجاء أبو يزيد قدس اللّه روحه يوما دجلة بغداد فانضمت بعضها إلى بعض كرامة له فجلس أبو يزيد ، وقال : أنا أحمل من هذا الجانب إلى الجانب الآخر بدانق « 1 » لا أبيع عمر ثلاثين سنة في هذا الحديث بدانق : يعني أني أتوقع منك شيئا آخر دون الكرامة لأرضى منك بغيرك .
فخرج مرة أخرى له ببلخ فلما وصل إلى نهر جيحون « 2 » ورآه ببلخ ألقي له حافتاه ، فقال : سيدي إيش هذا المكر الخفي وعزتك ما عبدتك لهذا ، وعزتك ما أردت هذا ، ثم رجع ولم يعبر .
وقال : من ترك قراءة القرآن والتقشف ولزوم الجماعات ، وحضور الجنائز وعيادة المرضى وادعى [ ق 13 / ب ] هذا الشأن فهو مدّع .
وقيل لمجوسي في أيام أبي يزيد : أسلم ؟ فقال مجيبا لهم : إن كان استعمال الإسلام كما يستعمل أبو يزيد فلست أطيقه ، وإن كان كما تستعملونه فلست أشتهيه .
واجتاز شقيق البلخي بسطام حاجا فعقد المجلس في مسجد من مساجدها في محلة يقال لها : كدغان « 3 » ، وبقي الصبيان يلعبون على بابه ، وأبو يزيد فيهم وكان يجيء إلى باب المسجد ويسمع كلامه وينصرف ويضحك فوقع عليه بصر شقيق ، فقال فراسة : سيكون هذا الصبي رجلا من الرجال فصار كما قال .
ورأى أبو يزيد رب العزة تبارك وتعالى في المنام فقال : إيش تريد ؟ .
فقال أبو يزيد : أريد أن لا أريد غير ما تريد .
فقال : أنا لك كما أنت لي .
وقال : غلطت في ابتداء أمري حسبت أني أذكره ، فإذا هو ذكرني قبل ذكري له وحسبت أني أطلبه ، فإذا هو طلبني له قبل طلبي له ، وحسبت أني أعرفه ، فإذا هو
هامش
( 1 ) الدانق : بفتح النون وكسرها وهو سدس الدرهم .
( 2 ) جيحون : وفي نسخة ( ح ) جيحون ، وهو بالفتح ، اسم أعجمي ، وقد تعسف بعضهم فقال هو من جاحه إذا أستأصله ، ومنه الخطوب الجوائح ، وأصله بالفارسية هارون ، وهو اسم وادي خراسان ، وقالوا : جيحون على عادتهم في قلب الألفاظ . وانظر : معجم البلدان ( 2 / 196 ) .
( 3 ) في الأصل ( كذغان ) ، والحكاية في النور ( ص 53 ) .