فانية في نفس الأمر ، وهذا أمر معقول يعرفه كلّ عاقل ، وبل أمر محسوس يعرفه كلّ ذي حسّ ، وفيه قيل :
البحر بحر على ما كان في ( من ) قدم * إنّ الحوادث أمواج وأنهار
لا تحجبنّك أشكال تشاكلها * عمن تشكّل فيها فهي أستار
« 129 »
فكما أنّ من شاهد البحر والأمواج والقطرات على الوجه المذكور ، وعرف أنّه ليس في الحقيقة وجود إلّا للبحر ، والأمواج والقطرات معدومات في نفس الأمر لأنّها ساعة فساعة في معرض الفناء والهلاك والزّوال ، وقبل ليس في الحقيقة ولا في الخارج إلّا البحر ، فكذلك من شاهد الحقّ والخلق والمظاهر على ما يقرّر وعرف أنّه ليس في الحقيقة وجود إلّا للحقّ ، والخلق والمظاهر معدومات في نفس الأمر لأنّهم آنا فآنا في معرض الزوال والهلاك ، فإنّه يجوز له أيضا أن يقول : ليس في الحقيقة ولا في الخارج إلّا الحقّ ، وهذا معنى قولهم :
« الباقي باق في الأزل ، والفاني فإن لم يزل »
وإليه الإشارة بقوله :
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
[ ق : 15 ] .
هامش
( 129 ) قوله : البحر بحر .
الشعر منسوب إلى ابن العربي ، راجع جامع الأسرار ص 806 والفتوحات ج 3 ص 172 ، وتمام الشعر هكذا :ولا أقول بتكرار الوجود ولا * عود الوجود فما الأمر تكرار
البحر بحر على ما كان من قدم * إنّ الحوادث أمواج وأنهار
لا تحجبنّك أشكال تشاكلها * عمّن تشكّل فيها فهي أستار
وكن فطينا بها في أيّ مظهره * فإنّ ذا الأمر إخفاء وإظهار