أحقّ من رأيت بظهر غيب * على عيب الأنام أولو العيوب « 1 »
أما من أحسن الظن بنفسه فلا يرى لها عيبا ونقصا ، بل فرط الجهل منه بنفسه ، وحبه إياها يعميه ويصمه حتى يرى العيوب فيها محاسن ، فحبك الشيء يعمي ويصم .
وهذا الضرب من الناس لا سبيل إلى إصلاح عيوبه ؛ لأنه لا يرى العيب في نفسه عيبا حتى يسعى في إصلاحه ، ويجتهد في إزالته مشتغل حينئذ بعيب غيره ، والإنكار على من لا سبيل له إلى إنكاره .
وأما من عرف نفسه وعيوبها شغله ذلك عن الاشتغال بعيوب غيره .
وكان تستقيم له العبودية ؛ فإن العبودية لا تستقيم للعبد حتى يعرف نفسه ، ويعرف آفاتها ، وعيوبها ونقائصها ، ومكامنها وبذلك تستقيم له العبودية ، ويعلم أنه مسكين في مجموع ، فقير في كل شيء إلى اللّه تعالى ، مضطر في كل نفس إلى قوله :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
[ الفاتحة : 6 ] .
ومتى عرف العبد نفسه عرف شقاوتها وسعادتها ، وما الذي يشقيها ويسعدها .
ومن هنا ضلّ أكثر الناس وأخطأ الطريق إلى معرفة النفوس ولذتها وبهجتها ، وتباينت الطرق بهم أعظم تباين .
فمنهم : من ظنّ أنه في مجرد العلم على اختلاف دواعيهم في أي علم ، فظنت طائفة أنه في الفقه المجرد ، وأن من حفظ « المهذب » أو « العزيز » بل « التنبيه » و « الوجيز » فقد بلغ الغاية القصوى .
هامش
( 1 ) البيت في « الأغاني » ( 20 / 13195 ) ، ومعجم الأدباء ( 2344 ) .