وقال أحدهم : برز منفردا ، مؤثرا للتخلي والانعزال عن الناس ما أمكنه ، حتى أنه لم يكن يجتمع به إلا الأفراد ، ثم آثر التأليف ، فبرزت عنه مؤلفات لا نهاية لها ، تدل على سعة باعه ، وتبحره في العلوم الظاهرة والباطنة ، وأنه بلغ مبلغ الاجتهاد في الاختراع والاستنباط ، وتأسيس القواعد والمعاقد التي لا يدركها ، ولا يحيط بها إلا من طالعها بحقها ، غير أنه وقع له في تضاعيف بعض تلك الكتب ، كلمات كثيرة أشكلت ظواهرها ، فكانت سببا لإعراض كثيرين لم يحسنوا به الظن ، ولم يقولوا كما قال غيرهم من الجهابذة المحققين ، والعلماء العاملين ، والأئمة الوارثين أن ما أوهمته تلك الظواهر ليس هو المراد ، وإنما المراد أمور أصطلح عليها متأخرو أهل الطريق ، غيرة عليها حتى لا يدعيها الكذابون ، فاصطلحوا على الكناية عنها بتلك الألفاظ الموهمة ، خلاف المراد ، غير مبالين بذلك ؛ لأنه لا يمكن التعبير عنها بغيرها .
وقد تفرّق الناس في شأنه شيعا ، وسلكوا في أمره طرائق قددا .
فذهب طائفة إلى أنه زنديق لا صديق .
وذهب قوم إلى أنه واسطة عقد الأولياء ورئيس الأصفياء .
وصار آخرون إلى اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه .
وعوّل جمع على التوقف والتسليم قائلين : الاعتقاد ضيعة ، والانتقاد حرمان .
وإمام هذه الطائفة شيخ الإسلام النووي ، فإنه استفتى فكتب :
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ
[ البقرة : 134 ] وتبعه على ذلك كثيرون ، سالكين سبيل السلامة .
وقد حكى عن شيخه الخوبي أنه سئل عنه فقال : اختلف فيه من الكفر إلى