الخاتمة في ذكر مقالتين من كلامه رضي اللّه عنه
نقلهما السعد - رحمه اللّه - واعترض عليه فيهما ، وسيظهر لك الحال عند بيان هذا المقال ، وإلى اللّه المرجع والمآل .
الأولى منهما : قوله رضي اللّه عنه في « الفتوحات المكية » ، وفي كتابه « فصوص الحكم » : إن كل من عبد شيئا ؛ فما عبد إلا اللّه ؛ وإنما كان خطأه في طريق العبادة ؛ حيث لم يكن مأذونا فيها على هذه الطريقة ، انتهى .
أقول وباللّه التوفيق : إنه قد علم مما تقدّم أن جميع الأشياء كانئا ما كان يرجع إلى الحق تعالى بالمعنى الذي ذكرناه ، والقيد الذي أفصحناه ، وإن العالم من حيث إنه عالم هو غير اللّه تعالى ، وله الافتقار والعدم ؛ بل هذا ذاتي له لا يفارقه بحال من الأحوال ، كما إن للحق تعالى وجوب الوجود والغنى المطلق ، لا إله إلا هو ، ولا معبود سواه .
ولّما كان العالم راجعا إلى الحق من وجه ، وهو تعالى من ورائه ؛ إذ لا قيام لشيء إلا بالوجود الحق ، قال تعالى :
وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ
[ البروج : 20 ] .
صحّ قوله رضي اللّه عنه : بأن من عبد صنما مثلا ؛ فما عبد بالحقيقة إلا اللّه بشهادة قوله تعالى :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
[ الإسراء : 23 ] أي : حكم ؛ لأن القضاء هو الحكم ، ولا راد لحكمه ، فثبت أنه ما عبد على أي حالة كانت العبادة من أحوالها إلا اللّه تعالى ؛ لكن من حيث لا يشعر العابد للصور بذلك ، وإن تخيّل الألوهية فيما عبده .
وأمّا السعد - رحمه اللّه - : ففسّر قضى بمعنى أمر كعادة المؤوّلين ، والتأويل لا يقول به هذا العارف رضي اللّه عنه ؛ بل مذهبه الأخذ بالظاهر من لفظ القرآن ، لكونه خطابا للعربي والأعجمي ، ولفظ قضى معناه الأولى : حكم ، كما فهمته السيد عائشة الصدّيقية