والقدر اللازم من شكر المنعم ما قاله الجنيد رضي اللّه تعالى عنه ، حين سأله السرّي ، رضي اللّه تعالى عنه قال الجنيد رضي اللّه عنه : كنت بين يدي السرّي ، رضي اللّه عنه ، وأنا ابن سبع سنين وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر فقال لي : يا غلام ، ما الشكر ؟ فقلت : « أن لا يعصى اللّه بنعمه . فقال : يوشك أن يكون حظّك من اللّه لسانك » ، فلا أزال أبكي على هذه الكلمة .
خف من وجود إحسانه إليك ودوام إساءتك معه ، أن يكون ذلك استدراجا لك : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
.
الخوف من الاستدراج بالنعم من صفات المؤمنين ، وعدم الخوف منه مع الدوام على الإساءة من صفات الكافرين ، يقول : من أمارات الاستدراج ركوب السيئة والاغترار بزمن المهلة ، وحمل تأخير العقوبة على استحقاق الوصلة ، وهذا من المكر الخفيّ ، قال اللّه تعالى :
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
[ الأعراف : 182 ] . أي لا يشعرون بذلك ، وهو أن يلقي في أوهامهم أنهم على شيء ، وليسوا كذلك ، ليستدرجهم شيئا فشيئا حتى يأخذهم بغتة ، كما قال تعالى :
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ . . *
[ الأنعام : 44 والقلم :
44 ] إشارة إلى مخالفتهم وعصيانهم
فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ
، أي : فتحنا عليهم أسباب العافية وأبواب الرفاهية
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا
من الحظوظ الدنيوية ، ولم يشكروا عليها برجوعهم منها إلينا
أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
، أي : فجأة
فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
أي :
آيسون قانطون من الرحمة .
قال سهل بن عبد اللّه ، رضي اللّه تعالى عنه ، في قوله تعالى :
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ *
« نمدّهم بالنعم وننسيهم الشكر عليها ، فإذا ركنوا إلى النعمة وحجبوا عن المنعم أخذوا » .
وقال ابن عطاء اللّه : « كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة ، وأنسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة » .
من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه ، فيقول لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد وأوجب الإبعاد
فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر ، ولو لم يكن إلا منع المزيد وقد يقام مقام العبد وهو لا يدري ، ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد .
هذا نوع من الاستدراج الذي تقدّم ذكره ، وسوء أدب المريد موجب لعقوبته ، ولكن العقوبات مختلفة ؛ فمنها معجّلة ، ومنها مؤجلة ، ومنها جليّة ، ومنها خفيّة ؛ فالعقوبة الجلية : العقوبة بالعذاب ، والعقوبة الخفية : العقوبة بوجود الحجاب ، فالعقوبة