فعن قريب إن شاء اللّه ينجلي الأمر ويستوجب من اللّه تعالى جزيل الأجر ، واللّه تعالى وليّ التوفيق .
قال أحمد بن أبي الحواري « 1 » ، رضي اللّه عنه : قال لي أبو سليمان الداراني « 2 » :
جوع قليل ، وعرى قليل ، وذل قليل ، وصبر قليل ، وقد انقضت عنك أيام الدنيا » .
واعلم أن ما ذكرناه من الصبر هو جماع كلّ فضيلة ، وملاك كلّ فائدة جزيلة ومكرمة نبيلة ، قال اللّه تعالى :
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا
[ الأعراف : 137 ] وقال اللّه تعالى :
وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا
[ السجدة : 24 ] .
وقال عزّ من قائل :
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
[ الزمر : 10 ] ، وفي وصية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لابن عباس رضي اللّه عنهما :
« وإن استطعت أن تعمل للّه بالرضا في اليقين فافعل ، وإن لم تستطع فاصبر ، فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ، واعلم أن النصر مع الصبر ، والفرج مع الكرب ، واليسر مع العسر « 3 » » .
وقال عمر بن الخطاب ، رضي اللّه عنه ، لرجل : « إن صبرت مضى أمر اللّه وكنت مأجورا ، وإن جزعت مضى أمر اللّه وكنت مأزورا » وقال علي رضي اللّه عنه : « الصبر مطيّة لا تكبو ، وسيف لا ينبو » .
وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : « أفضل العدّة الصبر عن الشدة » .
وفي بعض الأخبار : انتظار الفرح بالصبر عبادة ، وقد قال الشاعر :
إن الأمور إذا انسدّت مسالكها * فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا « 4 »
لا تيأسنّ ، وإن طالت مطالبة * إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
هامش
( 1 ) أحمد بن أبي الخواري ( توفي 230 ه / 845 م ) أبو الحسين من أهل دمشق ، صحب أبا سليمان الداراني وغيره . من كلامه « ما ابتلى اللّه عبدا بشيء أشد من الغفلة والقسوة » .
( الرسالة القشيرية ص 410 ) .
( 2 ) أبو سليمان الداراني ( توفي سنة 215 ه - 830 م ) عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي المذحجي ، أبو سليمان . زاهد مشهور من أهل داريا . رحل إلى بغداد ، وأقام بها مدة ، ثم عاد إلى دمشق وتوفي في بلده . كان من كبار المتصوفين . له أخبار في الزهد . من كلامه : « خير السخاء ما وافق الحاجة » .
( الأعلام 3 / 293 ، وحلية الأولياء 9 / 254 ، ووفيات الأعيان 3 / 131 ) .
( 3 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 1 ، 307 ) .
( 4 ) أرتج الباب : أغلقه إغلاقا وثيقا .