استغرقتها أحكام اللّه تعالى وأقداره ، وكان جميع ذلك يقتضي منه حقوقا لازمة من حقوق اللّه تعالى [ الواجبة عليه ] يقوم بها وهو مطالب بذلك ومسؤول عنه وعن أنفاسه التي هي إمانة للحق عنده لم يبق له إذ ذاك مجال لتدبير أمور دنياه ولا محل لمتابعة شهوته وهواه .
لا تترقب فروغ الأغيار ، فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة له فيما هو مقيمك فيه .
إذا أقام اللّه تعالى عبدا في سبب من الأسباب فالواجب عليه أو يوفيه حقه ويلتزم فيه الأدب ولا يترقب وقتا ثانيا يكون فيه فارغا منه ؛ فإن تأميله للوقت الثاني يمنعه من القيام بحق الوقت الأول فيما أقيم فيه وتوفيته ما يجب له ، وهو خلاف الأمر المطلوب منه ، فليجتنب ذلك المريد .
قال أبو حفص ، رضي اللّه عنه : « الفقير الصادق هو الذي يكون في كل وقت بحكمه ؛ فإذا ورد عليه وارد يشغله عن حكم وقته يستوحش منه ويتّقيه » .
وقال سهل بن عبد اللّه ، رضي اللّه عنه : « إذا جنّك الليل فلا تؤمل النهار حتى تسلم ليلتك تلك وتؤدّي حقّ اللّه تعالى فيها ، وتنصح فيها لنفسك ، وإذا أصبحت فكذلك » .
وسئل سهل ، رضي اللّه عنه : « متى يستريح الفقير ؟ فقال : إذا لم ير وقتا غير الوقت الذي هو فيه » .
[ قال البغوي في تفسيره عند قوله تعالى
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ
[ الأنبياء : 35 ] :
الشدة والرخاء ، والصحة والسقم ، والغنى والفقر .
وقيل : بما تحبون وتكرهون ، لننظر شكركم فيما تحبون ، وصبركم فيما تكرهون ] .
لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدار ؛ فإنها ما أبرزت إلا ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها .
جعل اللّه الدنيا دار فتنة وابتلاء ؛ ليعمل كل أحد فيها على مقتضى ما سبق له ، ويوفّى جزاءه في الدار الآخرة ، قال اللّه تعالى :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
[ الأنبياء :
35 ] وعمل كل واحد فيها إنما هو مخالفة شهوات نفسه ، أو موافقتها ، وذلك لا محالة ، يستدعي وجود محبوب أو مكروه بفعل أو بترك ، فمن ضروريات الدنيا وجدان المكاره والمشاق فيها ، فتقع الأكدار بسبب ذلك ، وأيضا ، فحاصل في الدنيا أمور وهمية انقادت طباع الناس إليها ، وهي لا تفي بجميع مطالبهم لضيقها وقلّتها وسرعة تقضّيها وتقلّبها ، فتجاذبوها بينهم ، فتكدّر عيشهم ولم يحصلوا على كلية أغراضهم ، كما قيل في المعنى :