أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته * ومدمن القرع للأبواب أن يلجا « 1 »
فمن جعل الصبر معتمده في نوازله ، واعتده من أعظم عدده ووسائله ، فهو مصيب في رأيه ، منجح في سعيه ، ومن جزع من المصائب واضطرب عند وقوع النوائب كان عاملا فيما يزيده ضرا ، ويكسبه وزرا ، ويفوّته أجرا ، وناهيك به خسرا ، كما قيل :
وإذا تصبك مصيبة فاصبر لها * عظمت مصيبة مبتلى لا يصبر
وكما قيل أيضا :
وعوّضت أجرا من فقيد فلا يكن * فقيدك لا يأتي وأجرك يذهب !
ما توقف مطلب أنت طالبه بربك ، ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك .
من أنزل حوائجه باللّه تعالى والتجأ إليه ، وتوكل في أمره كله عليه ، كفاه كل مؤنة ، وقرّب عليه كل بعيد ، ويسّر عليه كل عسير ، ومن سكن إلى علمه ، وعقله ، واعتمد على قوّته وحوله ، وكله اللّه إلى نفسه ، وخذله وحرمه توفيقه وأهمله فلم تنجح مطالبه ، ولم تتيسّر مآربه ، وهذا معلوم على القطع من نصوص الشريعة وأنواع التجارب .
قلت : وكلام المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، في هذه المسألة عام يتناول كلّ مطلب من المطالب الدينية والدنيوية التي مآل أمرها إلى الدين ، وأشرف تلك المطالب وأكثرها قواطع ومعاطب ، أخذ المريد في سلوك سبيل التوحيد ، ففيه التعلّق باللّه تعالى أحقّ وأصوب ، وفي جميع جزئياته الرجوع إلى اللّه تعالى أولى وأوجب ، فلا جرم كان من الرأي السديد والأمر الأكيد أن يخصصه من ذلك العام ، وأن يفرده عقيب هذه المسألة بمزيد من الكلام فلذلك قال :
من علامات النجح في النهايات الرجوع إلى اللّه تعالى في البدايات .
للمريد بداية ونهاية ، فبدايته حال سلوكه ، ونهايته حال وصوله ؛ فمن صحح بدايته بالرجوع إلى اللّه تعالى ، والتوكل عليه ، والاستعانة به ، كما ذكرنا أفلح ونجح في نهايته ، وكان وصوله إلى اللّه تعالى ؛ فأمن عليه من الرجوع والانقطاع .
قال بعض إلمشايخ : « ما رجع من رجع إلا من الطريق ، ولو وصلوا ما رجعوا » .
ومن لم يصحح ذلك بما ذكرناه من تعلّقه بالحق وفراره إليه من نفسه والخلق ، انقطع ورجع من حيث جاء .
هامش
( 1 ) أخلق به : أجدر به .