قال الشيخ عبد الرحمن السلمي ، رضي اللّه عنه : « أكثر الخلق مع اللّه تعالى في أحوالهم وإرادتهم على الظنون ما تحقق منهم له إلا القليل ، ألا تراه تعالى يقول :
وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا
[ يونس : 36 ] ، فمن تحقق في حاله مع اللّه تعالى غاب عن كل ما منه وله من الأحوال والأقوال والأفعال ؛ نظرا إلى ما إليه من رعاية الحق وحياطته وتولّيه ، وكان للحق من حيث الحق له ، لا من حيث هو للحق .
ولكن أكثر العبيد يشيرون إليه بالمعرفة ، ويظهرون حالة المحبّة ، فإذا ورد عليهم وارد بلاء أو خلاف مراد رجعت نفوسهم إلى حدّ الإشفاق عليها والاهتمام بها ، ونسوا ما ادّعوا به وما أشاروا إليه ، ولو كانوا للحق من حيث الاستحقاق لنسوا في جنب ما أشار إليه جميع الموارد ساء أم سرّ لأن من حصل في ميدان الوصول لا يعترض عليه عارض خلافه ، وأذهله حاله عما سواه .
إذا وقع منك ذنب فلا يكن سببا ليأسك من حصول الاستقامة مع ربك ، فقد يكون ذلك آخر ذنب قدر عليك .
الاستقامة على العبودية لا يناقضها فعل الذنب على سبيل الفلتة والهفوة إذا جرى القدر عليه بذلك ، وإنما يناقضها الإصرار عليه ؛ فإذا وقع من العبد ذنب فينبغي له أن يبادر إلى التوبة منه ، ولا ييأس بسبب وقوعه فيه من الاستقامة مع ربّه ، ويرى أنه طرده وأبعده عن رؤية توجب له القنوط « 1 » من رحمة اللّه تعالى واليأس من روح اللّه تعالى ، لأنه قد يكون ذلك الذنب آخر ذنب قدّر عليه . وقد وقع ذلك وفرغ منه .
إذا أردت أن يفتح لك باب الرجاء فاشهد ما منه إليك وإذا أردت أن يفتح لك باب الخوف فاشهد ما منك إليه .
الرجاء والخوف حالان عن مشاهدتين ، فمن أراد أن يفتح له باب الرجاء فليشهد ما من اللّه له من الفضل والكرم والإسعاف والألطاف فسيغلب عليه حينئذ حال الرجاء .
ومن أراد أن يفتح له باب الخوف ، فليشهد ما منه إلى اللّه تعالى من المخالفة والعصيان وسوء الأدب بين يديه ، فسيغلب عليه حينئذ حال الخوف .
ربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في إشراق نهار البسط ، لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا .
تقدّم أن القبض يؤثره العارفون على البسط ؛ لما فيه من عدم حظ النفس ووجود
هامش
( 1 ) القنوط : اليأس .