واعلم أن جميع العلوم وسيلة إلى هذين العلمين المشتملين على معرفة الله ومعرفة عبادته ؛ لأن الخلق إنما خلقوا لمعرفة الله وعبادته ، كما قال عز وجل
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 1 » ثم العابد مفتقر إلى معرفة المعبود ومعرفة كيف يعبده ؟ وقول بعض المفسرين :
معنى يعبدون يعرفون ، فذلك « 2 » أيضا يتضمن العبادة ؛ لأن من عرف الله تبارك وتعالى عرف وجوب عبادته « 3 » وطاعته .
إذ علم هذا فاعلم أن معرفة كثير من العلوم وسيلة إلى معرفة « 4 » علم الفقه ومعرفة علم الفقه وسيلة إلى معرفة العمل ومعرفة العمل وسيلة إلى العمل ، والعمل وسيلة إلى طاعة الله والقرب منه سبحانه وذلك هو المقصود .
فمن استعمل هذه [ لوجة رقم 27 ] الوسائل على وجهها المراد منها وصل بها إلى المقصود فظفر بغاية المراد ونهاية الشرف المحمود ، ومن جعل مقصوده بعض الوسائل « 5 » كمن اتخذ علما ليمارى به ، ويجادل واشتغل به عن المقصود فهو الجاهل ؛ لأن العالم في الحقيقة هو العامل ، فياخسارة من باع ( منّا ) « 6 » آخرته بدنياه بادلا « 7 » الجواهر بالنحاس ويا ويح من ضيع منّا أوقاته وأنفاسه النفاس « 8 » ، ويا خيبة من أفنى منّا عمره في التشدق بكثرة الفضول والمراء والجدل « 9 » ، خاليا عن خوف الله تعالى والعلم النافع والعمل ، ويا مصيبة من عدّ منّا نفسه من جملة العلماء أولى الألباب ، وليس يدرى أهو « 10 » معدود منهم أو من المشبهين « 11 » بالحمار والكلب في قص الكتاب ، القانعين من العلم بالقشر الخالي عن اللباب ، المعرضين عن اكتساب الخيرات المتعرضين للمقت والعقاب ، نعوذ بوجه « 12 » الله الكريم من مكره وسخطه وعذابه الأليم .
هامش
( 1 ) سورة الزاريات الآية 56 .
( 2 ) في ( ط ) ( فلذلك ) .
( 3 ) في ( ك ) عادته .
( 4 ) ( معرفة ) ساقطة من ( ب ) .
( 5 ) في ( ك ) ( الرسائل ) .
( 6 ) ( منّا ) ساقطة من الأصل .
( 7 ) في ( ب ) ، ( ك ) ( باذلا ) .
( 8 ) في ( ب ) ( النفائس ) .
( 9 ) في ( ب ) ( الجدال ) .
( 10 ) في ( ط ) ( هو ) .
( 11 ) في ( ب ) ( المتشبهين ) .
( 12 ) في ( ب ) ( بوجهه الكريم ) .