قال : وسمعته في مرض موته يقول لأولاده : بيني وبينكم وبين الخلق كلهم أبعد ما بين السماء والأرض .
قال : وقال لي ولداه عبد الوهاب وعبد الرزاق : وكان من الناس من إذا أقبل إليه ورآه من بعيد يقول بحيث لا يسمع : مرحبا بحبيب اللّه ، ومنهم من إذا رآه من بعيد يقول : لا مرحبا بطريد اللّه ، ويرى على كل واحد منهم من العلامة ما يناسب ما أشار إليه في قوله : ( مرحبا ) وفي قوله : ( لا مرحبا ) « 1 » .
جعلنا اللّه من عباده الصالحين .
الحكاية الحادية والسبعون بعد المائة
عن الحافظ أبي محمد عبد اللّه بن عبد الواحد المقدسي ، والحافظ أبي محمد عبد العزيز بن نصر البغدادي المعروف بابن الخضر قالا : سمعنا الشيخ أبا محمد عبد القادر رضي اللّه عنه يقول : أنا من وراء أمور الخلق ، أنا من وراء عقولكم ، كل رجال الحق إذا وصلوا إلى القدرة أمسكوا إلا أنا ، وصلت إليه ففتح لي فيه زاوية ، فولجت فيها ونازعت أقدار الحق بالحق للحق « 2 » .
قلت : وهذا بعض كلامه المروي عنه بالقدر ، ومعناه غامض لا يوصل إليه بغوص عقل ، بل يوكل تأويله إلى من أطلعه اللّه على ذلك السر ، اللهم إلا أن يكون من القدر .
قال اللّه فيه :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ
[ الرعد : 39 ] ، فيكون قوله مجملا على مراجعته فيه للحق سبحانه وتعالى بطريق الشفاعة ، والأولى الوجاهة ، وعلى هذا يكون قوله بعد ذلك في الرجل هو المنازع القدر ، الموافق له محمول على ما ذكرت من مراجعة الحق تعالى في ظواهر الأمور ، التي تحتمل مصالح العباد ، كما راجع عمر رضي اللّه عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « دعهم يعملون . . . » الحديث المشهور فوافقه صلى اللّه عليه وسلم وقال : « دعهم يعملون » « 3 » ، قلت : وأما قدر اللّه السابق في علمه ووقوعه فلا بدّ من وقوعه .
* * *
هامش
( 1 ) انظر : السابق ( 51 ) .
( 2 ) انظر : السابق ( 52 ) .
( 3 ) رواه الطبراني في الكبير ( 20 / 126 ) .