جاء شخص كريه المنظر ، ونحن أيضا عنده ، فقال : السلام عليك يا وليّ اللّه ، أنا شهر شعبان ، جئتك أهنيك وقد قدّر أن يكون فيّ فناء بغداد وغلاء في الحجاز ، وسيف بخراسان ، قال :
فوقع فناء بغداد ، وجاء الخبر بالغلاء الشديد بأرض الحجاز وبالسيف في خراسان ، ومرض الشيخ في شهر رمضان أياما ، فلما كان يوم الاثنين التاسع والعشرين منه ونحن أيضا عنده .
وكان يوما حاضرا عنده الشيخ علي بن الهيتي ، والشيخ أبو النجيب السهروردي ، والشيخ أبو الحسن الجوسقي ، والقاضي أبو العلاء محمد بن محمد الفراء ، فجاء شخص بهيّ السمت ، وعليه وقار ، وقال له : السلام عليك يا وليّ اللّه ، أنا شهر رمضان ، جئت أعتذر إليك مما قدّر عليك فيّ وأودعك ، فهذا آخر اجتماع بك ، ثم انصرف « 1 » .
قال : فمات الشيخ رضي اللّه عنه في ربيع الآخر السنة الثانية ، ولم يدرك رمضان آخر .
قال : وسمعته مرة يقول على الكرسي : للّه تعالى عباد يأتي إليهم شهر رمضان يعتذر إليهم إن كانوا مرضوا في أيامه وأصابتهم فاقة ، يقول لهم : كيف أنتم فيما قضي عليكم فيّ ؟ .
وقال لي ولده الشيخ حسين الدين عبد الوهاب رحمه اللّه : ما من شهر إلا يأتي إليه قبل أن يهل ، فإن كان قدّر اللّه تعالى أن يكون فيه سوء وشدة جاءه في صورة منكرة ، وإن قدّر فيه خير ولطف جاءه في صورة جميلة . أعاد اللّه علينا بركاته ، ونفعنا اللّه به في الدنيا والآخرة « 2 » .
الحكاية التاسعة والستون بعد المائة
عن الشيخ الإمام شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد بن محمد السهروردي رحمه اللّه تعالى « 3 » قال : سمعت الشيخ محيي الدين عبد القادر رضي اللّه عنه يقول على الكرسي بمدرسته :
هامش
( 1 ) انظر : بهجة الأسرار ( 50 ، 51 ) بتحقيقنا .
( 2 ) انظر : السابق ( 51 ) .
( 3 ) هو الشيخ الجليل السيد الحفيل أستاذ زمانه وفريد أوانه ، مطلع الأنوار ومنبع الأسرار . دليل الطريقة ، وترجمان الحقيقة ، أستاذ الشيوخ الأكابر ، الجامع بين علمي الباطن والظاهر ، قدوة العارفين ، وعمدة السالكين ، العالم الرباني ، المربي أبو حفص عمر بن محمد البكري الصوفي السهروردي ، مصنف كتاب عوارف المعارف ، المشتمل على مكنونات المعارف ، ومصونات المحاسن ، واللطائف ، وغير ذلك من التصانيف الحسنة الجامعة بين بداعة الملاحة ، وبراعة الفصاحة ، وحلاوة العبارة المشتملة على درر المعارف ومواقيت الحكم ، وطلاوة الإشارة المحتوية على حياة القلوب ، وشفائها من السقم ، وعقيدته معروفة مشهورة موصوفة مشكورة ، وكان إذا أشكل عليه شيء من أمرها منها ، يرجع فيه إلى اللّه تعالى -