وكان رضي اللّه عنه من كبار المحققين ، والأدلاء العارفين ، رفيع المقامات ، وسيع الكرامات ، صاحب الآيات الباهرة ، والأحوال الزاهرة ، والأنفاس الزكية ، والمكاشفات الجلية ، والسيرة الحسنى ، والمنهاج الأسنى ، والسبق إلى التقدم في مدارج الفتح الإلهي ، والتجرد عن أسباب الحظوظ النفسية ، والانسلاخ من البقايا ، والتحقيق بأوصاف الحرية ، والتصريف النافذ في الوجود ، والنصيب الوافر في القرب ، وفيض الفضل والجود .
ومن كلامه رضي اللّه عنه : من توصّل إلى اللّه تعالى بتلف نفسه حفظها اللّه عز وجلّ عليه ، وأوصله إليه ، وأفضل الأعمال مخالفة هوى النفس ، والرّضا بمجاري المقدور وسيلة إلى نيل درجات المعرفة ، ومن أظهر الانقطاع إلى اللّه عزّ وجلّ فقد وجب عليه خلع ما دونه ، ومن كان الصدق وسيلته إلى نيل درجات المعرفة كان رضا اللّه عنه جائزته .
وأقوى سبب بين العبد وربه محاسبة بورع ، ومراقبة بعلم ، وأدب باتّباع ، وكل عمل ليس له ثواب في الدنيا ليس له جزاء في الآخرة ، وإذا جاع القلب وعطش صفا ، وإذا شبع وروي عمى ، ومن رأى لنفسه قيمة لم يذق حلاوة المناجاة ، والقناعة من الرّضا بمنزلة الورع من الزّهد .
وإذا أصبت بالوسواس فافزع يزول عنك ، فإن أبغض الأشياء إلى الشيطان سرور المؤمن ، وإن اغتممت به زادك .
وقال : صلاح القلب في أربع خصال : التواضع للّه ، والافتقار إلى اللّه ، والخوف من اللّه ، والرجاء في اللّه ، فالخوف يوصلك إلى اللّه ، والكبر يقطعك عن اللّه ، والتفويض رد علم ما لا تعلم إلى عالمه ، وهو مقدمته إلى الرّضا .
والرّضا باب اللّه الأعظم ، والصبر على الطاعة ؛ لئلا تفوتك المداومة عليه ، والصبر عن الغضب ؛ لتنجو من الإصرار عليه ، وأصل التعلّق بالخيرات قصر الأمل ، ومن صحبه نفسه صحبه العجب ، وعلامة التوفيق أن يطيع اللّه تعالى وأن يخشى الرد ، وعلامة الخذلان أن تعصيه ، وأنت ترجو أن تكون مقبولا .
وكان رضي اللّه عنه يتمثّل بهذه الأبيات :
قلوبنا لشراب الحبّ أقداح * ومجلس الأنس فيه الروح والرّاح
وخلوة الوصل قد طاب السّماع بها * حقّا وقد رقصت للوجد أرواح