قال : وكنت بعد ذلك أمرّ على ذلك الموضع فأتذكر ذلك الوقت ، وآكل من تمر تلك النخلة ؛ تبرّكا بالشيخ .
وأبو الحسن المذكور من أجلّاء المشايخ العارفين ، صاحب الكرامات الظاهرة ، والأحوال الفاخرة ، والمقامات العلية ، والمكاشفات الجلية ، والتصريف النافذ ، والقدم الراسخ ، والجلالة والاحترام عند المشايخ والعلماء والعوام .
ومن كلامه رضي اللّه عنه :
ذكر اللسان كفّارات وحسنات ، وذكر القلب زلفى وقربات ، وبكاء الزّاهدين بعيونهم ، وبكاء العارفين بقلوبهم ، والتوكّل رد العيش إلى واحد ، وإسقاط همه عنه ، فمن وجد اللّه تعالى مع الإشارة إليه فقد استوجب الإرادة ، وأصل الفقر معرفة التقصير - أو قال : رؤية التقصير - ، وأصل الثبات على الفقر دوام الفقر إلى اللّه تعالى ، وفساد العلماء من كونهم لا يعلمون بما يعلمون ، وآفة المريد الغضب في انتصاره لنفسه ، وكلامه فيما لا ينفعه ، وإفشاء السر لغير السّادة من الشيوخ ، وإذا رأيت الفقير يستزيد من الدنيا فذلك من علامة إدباره ، وعلامة الشقاوة أن ترزق العلم وتحرم العمل ، وأن ترزق العمل وتحرم الإخلاص ، وأن ترزق صحبة العارفين ولا تحتر منهم ، والعلم حرز والجهل عرر ، والصلة بقاء والقطيعة مصيبة ، والصبر شجاعة والصدق قوة ، فلا تصحب إلا من يسقط مؤنة التحفّظ فيما بينك وبينه ، ويدلك على أدب الشرع ، وحفظ الحال عند غفلتك .
وعن يحيى بن محفوظ المتقدم ذكره أنه مرّ في وقت بالجوسق وقت الظهر ، قال : فرأيت أبا الحسن الجوسقي رضي اللّه عنه في بطحاء مقفرة ليس فيها غيره ، ورأيته يتواجد يمينا وشمالا وينشد :
قد بان بين بيني * فنيت عن بين بيني
وتهت في كلّ قفر * وجدا بقرة عيني
ثم بكى طويلا وأنشد :
روحي إليك بكلّها قد أجمعت * لو أنّ فيك هلاكها ما أقلعت
تبكي عليك بكلّها في كلّها * حتّى يقال من البكاء تقطّعت
فانظر إليها نظرة بمودّة * فلربما منعتها فتمنعت