والمجاهد في اللّه : من تجنّب أهل الفترة ، وعانى الصبر والفكرة ، ولزم الخشوع والحسرة ، واستعمل الحقيقة ، وأمات الهوى ، وأحيا الصفا ، وسلك تحت مجاري القضاء ، وجانب الأذى ، واستحيا من الملك الأعلى ، ورفض الراحة في الجد ، ( ولا ينفع ذا الجد منك الجد ) .
والشاكر : من صبر عند الحاجة مع الملك العلّام ، ولم يرجع إلى أحد من الخاص والعام ، وخلا قلبه من التدبير والاهتمام .
والمتوكل : من أعرض بقلبه عن الخلق ، وأخذ الرزق من الحق ، وقام بهمته على باب مولاه ، واستعان باليقين على طاعته ، وترك المألوفات ، والتجأ إلى باب مولاه ، واستقام باليقين حال طاعته .
والمحب : من ألف الخلوة ، وأنس بالوحدة ، واستحيا من ربه ، وقام ببابه وسارع إلى طاعته ، وأكثر من ذكره وعبادته ، وأسبل دمعه واشتياقه ، والتمس قربه ، وخاف فراقه ، فصفا قلبه من الأكدار ، وطهر سره من الأغيار ، وعفر خديه بالأسحار بين يدي الملك الجبار .
وكان رضي اللّه عنه يتمثّل بهذه الأبيات :
أحبّك أحيانا من الحبّ لم أجد * لمعرفتي منه الّذي يتصرّف
وفيهنّ أن لا يخطر الشّوق ذكركم * على القلب إلّا كادت النّفس تتلف
وحب لدي للجسم والشّوق ظاهره * وحب لدى نفسي من الرّوح ألطف
وحبه هو الدّاء العضال لعينه * له قدم تعدو عليّ فأدنف
فلا أنا منه مستريح وميّت * ولا أنا منه ما حييت مخفف
الحكاية السابعة والسبعون
عن الشيخ الصالح أبي محمد الحسن بن الحسن رضي اللّه عنه قال : أخبرنا أبي عن جدي قال :
حجّ أخّ لي في بعض السنين ، وكنت شديد المحبّة له ، كثير الشوق إليه ، ثم بعد سفر أخي اختلج في خاطري أمر عظيم ، فحضرت عند الشيخ خليفة بن موسى العراقي ، وقد اشتدّ شوقي إلى أخي ، فنظر إليّ الشيخ وقال : يا محمد ، أتحب أن تنظر إلى أخيك ؟ فقلت : وأنّى لي بذلك ؟ فأخذ بيدي وأخرجني من باب داره ، وإذا الركب سائر بالقرب منا ، بيننا وبينه قدر عشرين خطوة بحيث نراهم عيانا ، ورأيت أخي راكبا على جمله ، فوثبت لأعدو إليه فأمسك