وإنما انقسمت العبودية إلى خاصة وعامة ، لأن أصل معنى اللفظة : الذل والخضوع . يقال « طريق معبّد » إذا كان مذللا بوطء الأقدام ، و « فلان عبّده الحب » إذا ذلله ، لكن أولياءه خضعوا له وذلّوا طوعا واختيارا ، وانقيادا لأمره ونهيه . وأعداؤه خضعوا له قهرا ورغما .
ونظير انقسام العبودية إلى خاصة وعامة : انقسام « القنوت » إلى خاص وعام ، و « السجود » كذلك . قال تعالى في القنوت الخاص
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ
[ الزّمر : 9 ] وقال في حق مريم :
وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ
[ التّحريم : 12 ] وهو كثير في القرآن .
وقال في القنوت العام :
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ
[ الروم : 26 ] أي خاضعون أذلاء .
وقال في السجود الخاص
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ
[ الأعراف : 206 ] وقال
إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا
[ مريم : 58 ] وهو كثير في القرآن .
وقال في السجود العام
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
[ الرعد : 15 ] .
ولهذا كان هذا السجود الكره غير السجود المذكور في قوله :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ
[ الحجّ :
18 ] فخص بالسجود هنا كثيرا من الناس وعمهم بالسجود في سورة النحل
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ
[ النحل : 49 ] وهو سجود الذل والقهر والخضوع . فكل أحد خاضع لربوبيته ، ذليل لعزته . مقهور تحت سلطانه تعالى .
في مراتب « إِيَّاكَ نَعْبُدُ »
علما وعملا
للعبودية مراتب ، بحسب العلم والعمل . فأما مراتبها العلمية فمرتبتان :
إحداهما : العلم باللّه . والثانية : العلم بدينه .
فأما العلم به سبحانه ، فخمس مراتب : العلم بذاته ، وصفاته ، وأفعاله ، وأسمائه ، وتنزيهه عما لا يليق به .
والعلم بدينه مرتبتان . إحداهما : دينه الأمري الشرعي . وهو الصراط المستقيم الموصل إليه .
والثانية : دينه الجزائي ، المتضمن ثوابه وعقابه . وقد دخل في هذا العلم العلم بملائكته وكتبه ورسله .
وأما مراتبها العلمية ، فمرتبتان : مرتبة لأصحاب اليمين ، ومرتبة للسابقين المقربين .
فأما مرتبة أصحاب اليمين : فأداء الواجبات ، وترك المحرمات ، مع ارتكاب المباحات ، وبعض المكروهات ، وترك بعض المستحبات .
وأما مرتبة المقربين : فالقيام بالواجبات والمندوبات . وترك المحرمات والمكروهات ،