فإن اللّه أمر به في مواضع كثيرة من كتابه . وكذلك التوكل . قال :
إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ
[ يونس : 84 ] وأمر بالإنابة . فقال :
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ
[ الزّمر : 54 ] وأمر بالإخلاص كقوله
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ البيّنة : 5 ] وكذلك الخوف كقوله
فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
[ آل عمران : 175 ] وقوله
فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ
[ المائدة : 3 ] وقوله
وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
[ البقرة : 40 ] وكذلك الصدق . قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
( 119 ) [ التّوبة : 119 ] وكذلك المحبة . وهي أفرض الواجبات . إذ هي قلب العبادة المأمور بها ، ومخّها وروحها .
وأما الرضا : فإنما جاء في القرآن مدح أهله ، والثناء عليهم . لا الأمر به .
قالوا : وأما الأثر المذكور فإسرائيلي . لا يحتج به .
قالوا : وفي الحديث المعروف عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « إن استطعت أن تعمل الرضا مع اليقين فافعل ، فإن لم تستطع ، فإن في الصبر على ما تكره النفس خيرا كثيرا » وهو في بعض السنن .
قالوا : وأما قولكم « لا خلاص عن السخط إلا به » فليس بلازم . فإن مراتب الناس في المقدور ثلاثة : الرضا . وهو أعلاها ، والسخط . وهو أسفلها ، والصبر عليه بدون الرضا به . وهو أوسطها . فالأولى للمقربين السابقين . والثالثة للمقتصدين . والثانية للظالمين ، وكثير من الناس يصبر على المقدور فلا يسخط . وهو غير راض به . فالرضا أمر آخر .
وقد أشكل على بعض الناس اجتماع الرضا مع التألم ، وظن أنهما متباينان ، وليس كما ظنه . فالمريض الشارب للدواء الكريه متألم به راض به ، والصائم في شهر رمضان في شدة الحر متألم بصومه راض به ، والبخيل متألم بإخراج زكاة ماله راض بها ، فالتألم كما لا ينافي الصبر لا ينافي الرضا به .
وهذا الخلاف بينهم ، إنما هو في الرضا بقضائه الكوني ، وأما الرضا به ربّا وإلها ، والرضا بأمره الديني : فمتفق على فرضيته ، بل لا يصير العبد مسلما إلا بهذا الرضا : أن يرضى باللّه ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلى اللّه عليه وسلم رسولا .
ومن هذا أيضا اختلافهم في الخشوع في الصلاة . وفيه قولان للفقهاء ، وهما في مذهب أحمد وغيره .
وعلى القولين اختلافهم في وجوب الإعادة على من غلب عليه الوسواس في صلاته .
فأوجبها ابن حامد من أصحاب أحمد ، وأبو حامد الغزالي في « إحيائه » ، ولم يوجبها أكثر الفقهاء .
واحتجوا بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر من سها في صلاته بسجدتي السهو ولم يأمره بالإعادة مع قوله « إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته ، فيقول : اذكر كذا ، اذكر كذا - لما لم يكن يذكر - حتى يضلّ الرجل أن يدري كم صلى » ولكن لا نزاع أن هذه الصلاة لا يثاب على شيء منها إلا بقدر حضور قلبه وخضوعه . كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن العبد لينصرف من الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها ، ثلثها ، ربعها - حتى بلغ عشرها » وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : « ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها » فليست صحيحة باعتبار ترتب كمال مقصودها عليها ، وإن سميت