فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
[ النّحل : 36 ] وقال :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
( 25 ) [ الأنبياء : 25 ] وقال تعالى :
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 51 ) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ
( 52 ) [ المؤمنون : 51 ، 52 ] .
مقام العبودية
واللّه تعالى جعل العبودية وصف أكمل خلقه ، وأقربهم إليه . فقال :
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً
( 172 ) [ النّساء : 172 ] وقال :
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ
[ الأعراف : 206 ] وهذا يبين أن الوقف التام في قوله في سورة الأنبياء
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الأنبياء : 19 ] ههنا . ثم يبتدئ
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ( 19 ) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
( 20 ) [ الأنبياء : 19 ، 20 ] فهما جملتان تامتان مستقلتان ، أي إن له من في السماوات ومن في الأرض عبيدا وملكا . ثم استأنف جملة أخرى فقال :
وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ
[ الأنبياء : 19 ] يعني أن الملائكة الذين عنده لا يستكبرون عن عبادته يعني لا يأنفون عنها ، ولا يتعاظمون ولا يستحسرون ، فيعيون وينقطعون - يقال : حسر واستحسر ، إذا تعب وأعيا - بل عبادتهم وتسبيحهم كالنّفس لبني آدم . فالأول : وصف لعبيد ربوبيته . والثاني :
وصف لعبيد إلهيته . قال تعالى :
وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً
[ الفرقان : 63 ] إلى آخر السورة . وقال :
عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً
( 6 ) [ الإنسان : 6 ] وقال :
وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ
[ ص : 17 ] وقال :
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ
[ ص : 41 ] وقال :
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ
[ ص : 45 ] وقال عن سليمان :
نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
[ ص : 30 ] وقال عن المسيح :
إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ
[ الزّخرف : 59 ] فجعل غايته العبودية لا الإلهية ، كما يقول أعداؤه النصارى .
ووصف أكرم خلقه عليه ، وأعلاهم عنده منزلة بالعبودية في أشرف مقاماته . فقال تعالى :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا
[ البقرة : 23 ] وقال تبارك وتعالى :
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ
[ الفرقان : 1 ] وقال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ
[ الكهف : 1 ] فذكره بالعبودية في مقام إنزال الكتاب عليه ، وفي مقام التحدي بأن يأتوا بمثله ، وقال :
وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً
( 19 ) [ الجنّ : 19 ] فذكره بالعبودية في مقام الدعوة إليه . وقال :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
[ الإسراء : 1 ] فذكره بالعبودية في مقام الإسراء . وفي الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم فإنما أنا عبد . فقولوا عبد اللّه ورسوله » وفي الحديث « أنا عبد . آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد » وفي « صحيح البخاري » عن عبد اللّه بن عمرو قال : « قرأت في التوراة صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم : محمد رسول اللّه ، عبدي ورسولي ، سميته المتوكل ، ليس بفظّ ولا غليظ ، ولا صخّاب بالأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر » .
وجعل اللّه سبحانه البشارة المطلقة لعباده . فقال تعالى :
فَبَشِّرْ عِبادِ ( 17 ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
[ الزّمر : 17 ، 18 ] وجعل الأمن المطلق لهم . فقال تعالى :
يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ