تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 693

مساهمون:

ص٦٩٣
سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه يذكر ذلك . ويفسره بأن الولادة نوعان : أحدهما : هذه المعروفة ، والثانية : ولادة القلب والروح وخروجهما من مشيمة النفس ، وظلمة الطبع . قال : وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب للمؤمنين ، وقد قرأ أبي بن كعب رضي اللّه عنه
« النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
[ الأحزاب : 6 ] . وهو أب لهم » . قال : ومعنى هذه الآية والقراءة في قوله تعالى :
وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ
[ الأحزاب : 6 ] إذ ثبوت أمومة أزواجه لهم : فرع عن ثبوت أبوته . قال : فالشيخ والمعلم والمؤدب أب الروح . والوالد أب الجسم . ويقال في الحب « وجد » وفي الغضب « موجدة » وفي الظفر « وجدان » ووجود .

تعريف الوجد

قال صاحب المنازل : « الوجد : لهب يتأجج من شهود عارض القلق » . لما كان « الوجود » أعلى من « الوجد » جعل سبب « الوجد » شهودا عارضا . وجعل « الوجود » نفس الظفر بالشيء ، كما سيأتي . وإنما أوجب اللهب لأن صاحبه لما شهد محبوبه : أورثه ذلك لهيب القلب إليه ، ولما لم يظفر به أورثه القلق . فلذلك جعله لهيبا مقلقا .

درجات الوجد

قال : « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : وجد عارض يستفيق له شاهد السمع ، أو شاهد البصر ، أو شاهد الفكر . أبقى على صاحبه أثرا أو لم يبق » . قوله « وجد عارض » أي متجدد . ليس بلازم « يستفيق له شاهد السمع » أي ينتبه السمع من سنته لوروده عليه . وهذا إذا كان المنبه له خطابا من خارج أو من نفسه . وأما « إفاقة شاهد البصر » فلما يراه ويعاينه من آيات اللّه . فينتقل منها إلى ما نصبت آية له وعليه . وأما « إفاقة شاهد الفكر » ففيما يفتح له من المعاني التي أوقعه عليها فكره وتأمله . وهذه الشواهد الثلاثة التي دعا اللّه سبحانه عباده إلى تبينها والاستشهاد بها . وقبول الحق الذي تشهد به . وترتيب حكم هذه الشهادة عليها ، من التوحيد والإقرار والإيمان . قال اللّه تعالى :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
( 46 ) [ الحجّ : 46 ] وقال
أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ
[ المؤمنون : 68 ] وقال
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
( 24 ) [ محمّد : 24 ] وقال
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ يونس : 101 ] وقال
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى
[ الرّوم : 8 ] وقال
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
[ النّحل : 44 ] والقرآن مملوء من هذا . فإذا استفاق شاهد السمع والبصر والفكر ، ووجد القلب حلاوة المعرفة والإيمان : خرج من جملة النيام الغافلين . قوله « أبقى على صاحبه أثرا أو لم يبق » يعني : أن ذلك الوجد العارض قد يبقي على واجده أثرا من أحكامه بعد مفارقته ، وقد لا يبقي . والظاهر : أنه لا بد أن يبقي أثرا ، لكن قد يخفى ،
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 693 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى