الثالث : محو الذات . وهو شهود تفرد الحق تعالى بالوجود أزلا وأبدا . وأنه الأول الذي ليس قبله شيء ، والآخر الذي ليس بعده شيء . ووجود كل ما سواه قائم به ، وأثر صنعه .
فوجوده هو الوجود الواجب الحق ، الثابت لنفسه أزلا وأبدا . وأنه المتفرد بذلك .
وهذا « المحو » يصح باعتبارين :
أحدهما : باعتبار الوجود الذاتي . ولا ريب في إثبات محوه بهذا الاعتبار . إذ ليس مع اللّه موجود بذاته سواه . وكل ما سواه فموجود بإيجاده سبحانه .
الاعتبار الثاني : المحو في المشهد . فلا يشهد فاعلا غير الحق سبحانه . ولا صفات غير صفاته ، ولا موجودا سواه ، لغيبته بكمال شهوده عن شهود غيره .
وأما محو ذلك من الوجود جملة : فهو محو الزنادقة وطائفة الاتحادية . وصاحب المنازل وكل ولي للّه بريء منهم حالا وعقيدة .
والمقصود : أن من عقبة المحبة ينحدر المحب على منازل المحو .
ولما كانت منازل المحو والفناء غاية عند صاحب المنازل جعل المحبة عقبة ينحدر منها إليها .
وأما من جعل المحبة غاية : فمنازل المحو عنده أودية يصعد منها إلى روح المحبة . وليس بعد المحبة الصحيحة إلا منازل البقاء . وأما الفناء والمحو : فعقبات وأودية في طريقها عند هؤلاء . واللّه أعلم .
قوله « وهي آخر منزلة تلتقي فيها مقدمة العامة وساقة الخاصة » .
هذا بناء على الأصل الذي ذكره ، وهو : أن المحبة ينحدر منها على أودية الفناء . فهي أول أودية الفناء . فمقدمة العامة : هم في آخر مقام المحبة ، وساقة الخاصة : في أول منزل الفناء .
ومنزلة الفناء متصلة بآخر منزلة المحبة . فتلتقي حينئذ مقدمة العامة بساقة الخاصة ، هذا شرح كلامه .
وعند الطائفة الأخرى : الأمر بالعكس . وهو أن مقدمة أرباب الفناء يلتقون بساقة أرباب المحبة . فإنهم أمامهم في السير . وهم أمام الركب دائما . وهذا بناء على أن أهل البقاء في المحبة أعلى شأنا من أهل الفناء . وهو الصواب . واللّه أعلم .
قال « وما دونها : أغراض لأعواض » .
يعني ما دون المحبة من المقامات : فهي أغراض من المخلوقين لأجل أعواض ينالونها ، وأما المحبون : فإنهم عبيد . والعبد ونفسه وعمله ومنافعه ملك لسيده ، فكيف يعاوضه على ملكه ؟
والأجير عند أخذ الأجرة ينصرف . والعبد في الباب لا ينصرف . فلا عبودية إلا عبودية أهل المحبة الخالصة . أولئك هم الفائزون بشرف الدنيا والآخرة . وأولئك لهم الأمن وهم مهتدون .
قال : « والمحبة هي سمة الطائفة ، وعنوان الطريقة ، ومعقد النسبة » .
يعني : سمة هذه الطائفة المسافرين إلى ربهم ، الذين ركبوا جناح السفر إليه ، ثم لم يفارقوه إلى حين اللقاء ، وهم الذين قعدوا على الحقائق . وقعد من سواهم على الرسوم .
و « عنوان طريقتهم » أي دليلها . فإن العنوان يدل على الكتاب ، والمحبة تدل على صدق الطالب ، وأنه من أهل الطريق .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 671
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٦٧١