التاسعة « التعبد » وهو فوق التتيم . فإن العبد هو الذي قد ملك المحبوب رقّه فلم يبق له شيء من نفسه البتة . بل كله عبد لمحبوبه ظاهرا وباطنا . وهذا هو حقيقة العبودية . ومن كمل ذلك فقد كمل مرتبتها .
ولما كمل سيد ولد آدم هذه المرتبة : وصفه اللّه بها في أشرف مقاماته . مقام الإسراء كقوله
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ
[ الإسراء : 1 ] ومقام الدعوة كقوله
وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ
[ الجنّ :
19 ] ومقام التحدي كقوله
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا
[ البقرة : 23 ] وبذلك استحق التقديم على الخلائق في الدنيا والآخرة .
وكذلك يقول المسيح عليه الصلاة والسلام لهم ، إذا طلبوا منه الشفاعة - بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - « اذهبوا إلى محمد ، عبد غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر » .
سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يقول : فحصلت له تلك المرتبة . بتكميل عبوديته للّه تعالى ، وكمال مغفرة اللّه له .
وحقيقة العبودية : الحب التام ، مع الذل التام والخضوع للمحبوب . تقول العرب « طريق معبد » أي قد ذللته الأقدام وسهلته .
العاشرة « مرتبة الخلة » التي انفرد بها الخليلان - إبراهيم ومحمد صلى اللّه عليهما وسلم - كما صح عنه أنه قال : « إن اللّه اتخذني خليلا ، كما اتخذ إبراهيم خليلا » وقال : « لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا . ولكن صاحبكم خليل الرحمن » والحديثان في الصحيح وهما يبطلان قول من قال « الخلة » لإبراهيم . و « المحبة » لمحمد ، فإبراهيم خليله ومحمد حبيبه .
و « الخلّة » هي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه ، حتى لم يبق فيه موضع لغير المحبوب ، كما قيل :
قد تخللت مسلك الروح مني * ولذا سمي الخليل خليلا
وهذا هو السر الذي لأجله - واللّه أعلم - أمر الخليل بذبح ولده ، وثمرة فؤاده وفلذة كبده .
لأنه لما سأل الولد فأعطيه ، تعلقت به شعبة من قلبه . و « الخلة » منصب لا يقبل الشركة والقسمة .
فغار الخليل على خليله : أن يكون في قلبه موضع لغيره . فأمره بذبح الولد . ليخرج المزاحم من قلبه . فلما وطّن نفسه على ذلك ، وعزم عليه عزما جازما : حصل مقصود الأمر . فلم يبق في إزهاق نفس الولد مصلحة . فحال بينه وبينه . وفداه بالذبح العظيم . وقيل له :
يا إِبْراهِيمُ ( 104 ) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا
[ الصّافات : 104 ، 105 ] أي عملت عمل المصدّق
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
[ الصّافات :
105 ] نجزي من بادر إلى طاعتنا ، فنقرّ عينه كما أقررنا عينك بامتثال أوامرنا ، وإبقاء الولد وسلامته
إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ
( 106 ) [ الصّافات : 106 ] وهو اختبار المحبوب لمحبه ، وامتحانه إياه ليؤثر مرضاته . فيتم عليه نعمه ، فهو بلاء محنة ومنحة عليه معا .
وهذه الدعوة إنما دعا إليها بها خواص خلقه ، وأهل الألباب والبصائر منهم . فما كل أحد يجيب داعيها . ولا كل عين قريرة بها . وأهلها هم الذين حصلوا في وسط قبضة اليمين يوم القبضتين . وسائر أهل اليمين في أطرافها :