وهذا النور كالشمس في قلوب المقرّبين السابقين ، وكالبدر في قلوب الأبرار أصحاب اليمين ، وكالنجم في قلوب عامة المؤمنين . وتفاوتهم فيه كتفاوت ما بين الزهرة والسّهى .
قوله « وتثبت باتباع السنة » أي ثباتها إنما يكون بمتابعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم في أعماله ، وأقواله وأخلاقه . فبحسب هذا الاتباع يكون منشأ هذه المحبة وثباتها وقوتها . وبحسب نقصانه يكون نقصانها ، كما تقدم : أن هذا الاتباع يوجب المحبة والمحبوبية معا . ولا يتم الأمر إلا بهما .
فليس الشأن في أن تحب اللّه ، بل الشأن في أن يحبك اللّه . ولا يحبك اللّه إلا إذا اتبعت حبيبه ظاهرا وباطنا ، وصدقته خبرا ، وأطعته أمرا ، وأجبته دعوة ، وآثرته طوعا . وفنيت عن حكم غيره بحكمه ، وعن محبته غيره من الخلق بمحبته ، وعن طاعة غيره بطاعته . وإن لم يكن ذلك فلا تتعن . وارجع من حيث شئت فالتمس نورا . فلست على شيء .
وتأمل قوله
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : 31 ] أي الشأن في أن اللّه يحبكم . لا في أنكم تحبونه ، وهذا لا تنالونه إلا باتباع الحبيب صلى اللّه عليه وسلم .
قوله « وتنمو على الإجابة بالفاقة » الإجابة بالفاقة : أن يجيب الداعي بموفور الأعمال . وهو خال منها . كأنه لم يعملها ، بل يجيب دعوته بمجرد الإفلاس والفقر التام . فإن طريقة الفقر والفاقة : تأبى أن يكون لصاحبها عمل ، أو حال أو مقام . وإنما يدخل على ربه بالإفلاس المحض ، والفاقة المجردة . ولا ريب أن المحبة تنمو على هذا المشهد ، وهذه الإجابة . وما أعزه من مقام . وأعلاه من مشهد . وما أنفعه للعبد ! وما أجلبه للمحبة ! واللّه المستعان .
قال : « الدرجة الثانية : محبة تبعث على إيثار الحق على غيره ، وتلهج اللسان بذكره . وتعلّق القلب بشهوده . وهي محبة تظهر من مطالعة الصفات ، والنظر إلى الآيات ، والارتياض بالمقامات » .
هذه الدرجة أعلى مما قبلها ، باعتبار سببها وغايتها . فإن سبب الأولى : مطالعة الإحسان والمنة ، وسبب هذه : مطالعة الصفات . وشهود معاني آياته المسموعة ، والنظر إلى آياته المشهودة . وحصول الملكة في مقامات السلوك ، وهو الارتياض بالمقامات . ولذلك كانت غايتها أعلى من غاية ما قبلها .
فقوله « تبعث على إيثار الحق على غيره » أي لكمالها وقوتها فإنها تقتضي من المحب أن يترك لأجل الحق ما سواه ، فيؤثره على غيره . ولا يؤثر غيره عليه . ويجعل اللسان لهجا بذكره .
فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره .
« وتعلق القلب بشهوده » لفرط استيلائه على القلب . وتعلقه به ، حتى كأنه لا يشاهد غيره .
وقوله « وهي محبة تظهر من مطالعة الصفات » يعني : إثباتها أولا . ومعرفتها ثانيا . ونفي التحريف والتعطيل عن نصوصها ثالثا ، ونفي التمثيل والتكييف عن معانيها رابعا . فلا يصح له مطالعة الصفات الباعثة على المحبة الصحيحة إلا بهذه الأمور الأربعة . وكلما أكثر قلبه من مطالعتها ، ومعرفة معانيها : ازدادت محبته للموصوف بها . ولذلك كانت الجهمية - قطاع طريق المحبة - بين المحبين وبينهم السيف الأحمر .
وقوله « والنظر إلى الآيات » أي نظر الفكر والاعتبار إلى آياته المشهودة . وفي آياته