أنواع الفراسة
و « الفراسة » ثلاثة أنواع : إيمانية . وهي المتكلم فيها في هذه المنزلة .
وسببها : نور يقذفه اللّه في قلب عبده . يفرق به بين الحق والباطل ، والحالي والعاطل ، والصادق والكاذب .
وحقيقتها : أنها خاطر يهجم على القلب ينفي ما يضاده . يثبت على القلب كوثوب الأسد على الفريسة . لكن « الفريسة » فعيلة بمعنى مفعولة . وبناء « الفراسة » كبناء الولاية والإمارة والسياسة .
وهذه « الفراسة » على حسب قوة الإيمان . فمن كان أقوى إيمانا فهو أحدّ فراسة .
قال أبو سعيد الخراز : من نظر بنور الفراسة نظر بنور الحق ، وتكون مواد علمه مع الحق بلا سهو ولا غفلة . بل حكم حق جرى على لسان عبده .
وقال الواسطي : الفراسة شعاشع أنوار لمعت في القلوب ، وتمكن معرفة جملة السرائر في الغيوب من غيب إلى غيب ، حتى يشهد الأشياء من حيث أشهده الحق إياها ، فيتكلم عن ضمير الخلق .
وقال الداراني : الفراسة مكاشفة النفس ومعاينة الغيب ، وهي من مقامات الإيمان .
وسئل بعضهم عن الفراسة ؟ فقال : أرواح تتقلب في الملكوت ، فتشرف على معاني الغيوب ، فتنطق عن أسرار الخلق ، نطق مشاهدة لا نطق ظنّ وحسبان .
وقال عمرو بن نجيد : كان شاه الكرماني حاد الفراسة لا يخطئ . ويقول : من غض بصره عن المحارم ، وأمسك نفسه عن الشهوات ، وعمر باطنه بالمراقبة وظاهره باتباع السنة ، وتعود أكل الحلال : لم تخطىء فراسته .
وقال أبو جعفر الحداد : الفراسة أول خاطر بلا معارض ، فإن عارضه معارض آخر من جنسه . فهو خاطر وحديث نفس .
وقال أبو حفص النيسابوري : ليس لأحد أن يدعي الفراسة . ولكن يتقي الفراسة من الغير .
لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « اتقوا فراسة المؤمن . فإنه ينظر بنور اللّه » ولم يقل : تفرسوا . وكيف تصح دعوى الفراسة لمن هو في محل اتقاء الفراسة ؟ .
وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي : إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق . فإنهم جواسيس القلوب ، يدخلون في قلوبكم ويخرجون من حيث لا تحتسبون « 1 » .
وكان الجنيد يوما يتكلم على الناس . فوقف عليه شاب نصراني متنكرا . فقال : أيها الشيخ ما معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه » فأطرق الجنيد ، ثم رفع رأسه إليه .
وقال : أسلم . فقد حان وقت إسلامك . فأسلم الغلام .
هامش
( 1 ) ليس هذا فراسة . إنما هو علم ما في الصدور . وهذا شرك باللّه في الربوبية . وهي دعوى كثير من شيوخ الصوفية .