بل كشفها جزئي من جنس فراسة الولاة ، وأصحاب عبارة الرؤيا والأطباء ونحوهم .
وللأطباء فراسة معروفة من حذقهم في صناعتهم . ومن أحب الوقوف عليها فليطالع تاريخهم وأخبارهم . وقريب من نصف الطب : فراسة صادقة ، يقترن بها تجربة . واللّه سبحانه أعلم .
الفراسة الثالثة : الفراسة الخلقية .
وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم . واستدلوا بالخلق على الخلق لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة اللّه . كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل ، وبكبره ، وبسعة الصدر ، وبعد ما بين جانبيه : على سعة خلق صاحبه ، واحتماله وبسطته ، وبضيقه على ضيقه ، وبخمود العين وكلال نظرها على بلادة صاحبها ، وضعف حرارة قلبه ، وبشدة بياضها مع إشرابه بحمرة - وهو الشكل - على شجاعته وإقدامه وفطنته . وبتدويرها مع حمرتها وكثرة تقلبها على خيانته ومكره وخداعه .
ومعظم تعلق الفراسة بالعين . فإنها مرآة القلب وعنوان ما فيه « 1 » . ثم باللسان . فإنه رسوله وترجمانه . وبالاستدلال بزرقتها مع شقرة صاحبها على رداءته . وبالوحشة التي ترى عليها على سوء داخله وفساد طويته .
وكالاستدلال بإفراط الشعر في السبوطة على البلادة . وبإفراطه في الجعودة على الشر .
وباعتداله على اعتدال صاحبه .
وأصل هذه الفراسة : أن اعتدال الخلقة والصورة : هو من اعتدال المزاج والروح ، وعن اعتدالها يكون اعتدال الأخلاق والأفعال . وبحسب انحراف الخلقة والصورة عن الاعتدال يقع الانحراف في الأخلاق والأعمال .
هذا إذا خلّيت النفس وطبيعتها .
ولكن صاحب الصورة والخلقة المعتدلة يكتسب بالمقارنة والمعاشرة أخلاق من يقارنه ويعاشره . ولو أنه من الحيوان البهيم . فيصير من أخبث الناس أخلاقا وأفعالا ، وتعود له تلك طباعا ، ويتعذر - أو يتعسر - عليه الانتقال عنها .
وكذلك صاحب الخلقة والصورة المنحرفة عن الاعتدال يكتسب بصحبة الكاملين وبخلطتهم أخلاقا وأفعالا شريفة ، تصير له كالطبيعة ، فإن العوائد والمزاولات تعطي الملكات والأخلاق « 2 » .
فليتأمل هذا الموضع ولا يعجل بالقضاء بالفراسة دونه ، فإن القاضي حينئذ يكون خطؤه كثيرا ، فإن هذه العلامات أسباب لا موجبة ، وقد تتخلف عنها أحكامها لفوات شرط ، أو لوجود مانع .
هامش
( 1 ) ويدل لهذا الحديث « العين حق » .
( 2 ) إنما يستفيد من الأخلاق الكاملة البصير اليقظ الذي يحرص على الاقتباس وحسن الأسوة . وكم من مقلد أعمى البصيرة لا يستفيد ولا ينتفع .