فإنه سبحانه هو الجواد الذي لا ينقص خزائنه الإنفاق ، ولا يغيض ما في يمينه سعة عطائه .
فما منع من منعه فضله إلا لحكمة كاملة في ذلك . فإنه الجواد الحكيم . وحكمته لا تناقض جوده . فهو سبحانه لا يضع برّه وفضله إلا في موضعه ووقته . بقدر ما تقتضيه حكمته . ولو بسط اللّه الرزق لعباده لفسدوا وهلكوا . ولو علم في الكفار خيرا وقبولا لنعمة الإيمان ، وشكرا له عليها ، ومحبة له واعترافا بها ، لهداهم إلى الإيمان . ولهذا لما قالوا للمؤمنين :
أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا
[ الأنعام : 53 ] ؟ أجابهم بقوله :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ
[ الأنعام : 53 ] .
سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يقول : هم الذين يعرفون قدر نعمة الإيمان ، ويشكرون اللّه عليها .
فهو سبحانه ما أعطى إلا بحكمته . ولا منع إلا بحكمته ، ولا أضل إلا بحكمته .
وإذا تأمل البصير أحوال العالم وما فيه من النقص : رآه عين الحكمة . وما عمرت الدنيا والآخرة والجنة والنار إلا بحكمته .
وفي الحكمة ثلاثة أقوال للناس :
أحدها : أنها مطابقة علمه لمعلومه ، وإرادته ومشيئته لمراده . هذا تفسير الجبرية . وهو في الحقيقة نفي حكمته . إذ مطابقة المعلوم والمراد : أعم من أن يكون « حكمة » أو خلافها ، فإن السفيه من العباد : يطابق علمه وإرادته لمعلومه ومراده . مع كونه سفيها .
الثاني - مذهب القدرية النفاة - : أنها مصالح العباد ومنافعهم العائدة عليهم . وهو إنكار لوصفه تعالى بالحكمة . وردوها إلى مخلوق من مخلوقاته .
الثالث - قول أهل الإثبات والسنة - : أنها الغايات المحمودة المطلوبة له سبحانه بخلقه وأمره ، التي أمر لأجلها ، وقدّر وخلق لأجلها . وهي صفته القائمة به كسائر صفاته : من سمعه وبصره ، وقدرته وإرادته ، وعلمه وحياته وكلامه .
وللرد على طائفتي الجبرية والقدرية موضع غير هذا . واللّه أعلم .
قال : « الدرجة الثالثة : أن تبلغ في استدلالك البصيرة . وفي إرشادك الحقيقة . وفي إشارتك الغاية »
يريد أن تصل باستدلالك إلى أعلى درجات العلم . وهي البصيرة التي تكون نسبة العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئيّ إلى البصر . وهذه هي الخصّيصة التي اختص بها الصحابة عن سائر الأمة . وهي أعلى درجات العلماء . قال تعالى :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي
[ يوسف : 108 ] أي أنا وأتباعي على بصيرة .
وقيل : « ومن اتبعني » عطف على المرفوع « بأدعو » أي أنا أدعو إلى اللّه على بصيرة . ومن اتبعني كذلك يدعو إلى اللّه على بصيرة .
وعلى القولين فالآية تدل أن أتباعه هم أهل البصائر الداعين إلى اللّه على بصيرة . فمن ليس منهم فليس من أتباعه على الحقيقة والموافقة . وإن كان من أتباعه على الانتساب والدعوى .
وقوله : « وفي إرشادك الحقيقة » .