وتسليمها لمالكها ومولاها . فلا يخاصم لها . ولا يتوكل لها . ولا يحاجج عنها . ولا ينتصر لها ، بل يفوض ذلك لمالكها وسيدها .
قال بندار بن الحسين : لا تخاصم لنفسك . فإنها ليست لك . دعها لمالكها يفعل بها ما يريد .
وقد أجمعت هذه الطائفة على أنه لا وصول إلى اللّه إلا من طريق الفقر . ولا دخول عليه إلا من بابه . واللّه أعلم .
درجات الفقر
قال « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : فقر الزهاد ، وهو قبض اليد عن الدنيا ضبطا أو طلبا . وإسكات اللسان عنها مدحا أو ذما . والسلامة منها طلبا أو تركا . وهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه » .
« الدنيا » عند القوم : ما سوى اللّه تعالى - من المال ، والجاه ، والصور ، والمراتب - .
واختلف المتكلمون فيها على قولين . حكاهما أبو الحسن الأشعري في مقالاته .
أحدهما : أنها اسم لمدة بقاء هذا العالم .
والثاني : أنها اسم لما بين السماء والأرض . فما فوق السماء ليس من الدنيا . وما تحت الأرض ليس منها .
فعلى الأول : تكون الدنيا زمانا . وعلى الثاني : تكون مكانا .
ولما كان لها تعلق بالجوارح والقلب واللسان ، كان حقيقة الفقر : تعطيل هذه الثلاثة عن تعلقها بها وسلبها منها . فلذلك قال : « قبض اليد عن الدنيا ضبطا أو طلبا » .
يعني يقبض يده عن إمساكها إذا حصلت له . فإذا قبض يده عن الإمساك جاد بها . وإن كانت غير حاصلة له كفّ يده عن طلبها . فلا يطلب معدومها . ولا يبخل بموجودها .
وأما « تعطيلها عن اللسان » .
فهو أن لا يمدحها ولا يذمها . فإن اشتغاله بمدحها أو ذمها دليل على محبتها ورغبته فيها .
فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره . وإنما اشتغل بذمها حيث فاتته . كمن طلب العنقود فلم يصل إليه ، فقال : هو حامض . ولا يتصدى لذم الدنيا إلا راغب محب مفارق . فالواصل مادح .
والمفارق ذام .
وأما « تعطيل القلب منها » فبالسلامة من آفات طلبها وتركها . فإن لتركها آفات . ولطلبها آفات . والفقر سلامة القلب من آفات الطلب والترك . بحيث لا يحجبه عن ربه بوجه من الوجوه الظاهرة والباطنة . لا في طلبها وأخذها ولا في تركها والرغبة عنها .
فإن قلت : عرفت الآفة في أخذها وطلبها . فما وجه الآفة في تركها والرغبة عنها ؟
قلت : من وجوه شتى :
أحدها : أنه إذا تركها - وهو بشر لا ملك - تعلق قلبه بما يقيمه ويقيته ويعيشه . وما هو محتاج إليه . فيبقى في مجاهدة شديدة مع نفسه . لترك معلومها وحظها من الدنيا . وهذه قلة فقه