وجعل القيد بيداء لوجهين :
أحدهما : أن الأغيار تبيد فيه وتنعدم . ولا يكون معه سواه .
والثاني : لسعته وفضائه . فصاحب مشهده : في بيداء واسعة ، وإن احتبس في قيد شهوده .
وقوله : « وهذا فقر الصوفية » .
قد يفهم منه : أن التصوف أعلى عنده من الفقر . فإن هذه الدرجة الثالثة - التي هي أعلى درجات الفقر عنده - هي من بعض مقامات الصوفية .
وطائفة تنازعه في ذلك ، وتقول : التصوف دون هذا المقام بكثير . والتصوف وسيلة إلى هذا الفقر . فإن التصوف خلق . وهذا الفقر حقيقة ، وغاية لا غاية وراءها .
وقد تقدم ذكر الخلاف بين القوم في هذه المسألة . وحكينا فيها ثلاثة أقوال : هذين ،
والثالث : أنه لا يفضل أحدهما على الآخر . فإن كل واحد منهما لا تتم حقيقته إلا بالآخر . وهذا قول الشاميين . واللّه أعلم .
منزلة الغنى العالي
ومن منازل
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
منزلة « الغنى العالي » .
وهو نوعان : غنى باللّه ، وغنى عن غير اللّه . وهما حقيقة الفقر . ولكن أرباب الطريق أفردوا للغنى منزلة .
قال صاحب المنازل رحمه اللّه « باب الغنى . قال اللّه تعالى :
وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى
( 8 ) [ الضّحى : 8 ] .
وفي الآية ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه أغناه من المال بعد فقره : وهذا قول أكثر المفسرين . لأنه قابله بقوله « عائلا » والعائل : هو المحتاج . ليس ذا العيلة . فأغناه من المال .
والثاني : أنه أرضاه بما أعطاه . وأغناه به عن سواه . فهو غنى قلب ونفس ، لا غنى مال .
وهو حقيقة الغنى .
والثالث : - وهو الصحيح - أنه يعم النوعين : نوعي الغنى ، فأغنى قلبه به . وأغناه من المال .
ثم قال : « الغنى اسم للملك التام » .
يعني أن من كان مالكا من وجه دون وجه فليس بغني . وعلى هذا : فلا يستحق اسم « الغني » بالحقيقة إلا اللّه . وكل ما سواه فقير إليه بالذات .
درجات الغنى
قال : « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : غنى القلب . وهو سلامته من السبب .
ومسالمته للحكم . وخلاصه من الخصومة » .
حقيقة غنى القلب : تعلقه باللّه وحده . وحقيقة فقره المذموم : تعلقه بغيره . فإذا تعلق باللّه حصلت له هذه الثلاثة التي ذكرها .
« سلامته من السبب » أي من التعلق به ، لا من القيام به . والغنى عند أهل الغفلة بالسبب .