فالصنف الأول : خواص الفقراء . والثاني : فقراء المسلمين خاصهم وعامهم . والثالث :
الفقر العام لأهل الأرض كلهم : غنيهم وفقيرهم ، مؤمنهم وكافرهم .
فالفقراء الموصوفون في الآية الأولى : يقابلهم أصحاب الجدة ، ومن ليس محصرا في سبيل اللّه ، ومن لا يكتم فقره تعففا . فمقابلهم أكثر من مقابل الصنف الثاني .
والصنف الثاني : يقابلهم الأغنياء أهل الجدة . ويدخل فيهم المتعفف وغيره . والمحصر في سبيل اللّه وغيره .
والصنف الثالث : لا مقابل لهم . بل اللّه وحده الغني . وكل ما سواه فقير إليه .
ومراد القوم بالفقر : شيء أخص من هذا كله . وهو تحقيق العبودية . والافتقار إلى اللّه تعالى في كل حالة .
وهذا المعنى أجلّ من أن يسمى فقرا . بل هو حقيقة العبودية ولبّها . وعزل النفس عن مزاحمة الربوبية .
وسئل عنه يحيى بن معاذ . فقال : حقيقته أن لا يستغني إلا باللّه ، ورسمه : عدم الأسباب كلها .
يقول : عدم الوثوق بها والوقوف معها . وهو كما قال بعض المشايخ : شيء لا يضعه اللّه إلا عند من يحبه . ويسوقه إلى من يريده .
وسئل رويم عن الفقر ؟ فقال : إرسال النفس في أحكام اللّه .
وهذا إنما يحمد في إرسالها في الأحكام الدينية والقدرية التي لا يؤمر بمدافعتها والتحرز منها .
وسئل أبو حفص : بم يقدم الفقير على ربه ؟ فقال : ما للفقير شيء يقدم به على ربه سوى فقره .
وحقيقة « الفقر » وكماله كما قال بعضهم - وقد سئل : متى يستحق الفقير اسم « الفقر » ؟ - فقال : إذا لم يبق عليه بقية منه . فقيل له : وكيف ذاك ؟ فقال : إذا كان له فليس له . وإذا لم يكن له فهو له .
وهذه من أحسن العبارات عن معنى « الفقر » الذي يشير إليه القوم . وهو أن يصير كله للّه عزّ وجلّ . لا يبقى عليه بقية من نفسه وحظه وهواه . فمتى بقي عليه شيء من أحكام نفسه ففقره مدخول .
ثم فسر ذلك بقوله « إذا كان له فليس له » أي إذا كان لنفسه فليس للّه . وإذا لم يكن لنفسه فهو للّه .
فحقيقة « الفقر » أن لا تكون لنفسك . ولا يكون لها منك شيء ، بحيث تكون كلك للّه . وإذا كنت لنفسك فثم ملك واستغناء مناف للفقر .
وهذا « الفقر » الذي يشيرون إليه : لا تنافيه الجدة ولا الأملاك . فقد كان رسل اللّه وأنبياؤه في ذروته مع جدتهم ، وملكهم ، كإبراهيم الخليل صلى اللّه عليه وسلم كان أبا الضيفان . وكانت له الأموال والمواشي . وكذلك كان سليمان وداود عليهما السلام . وكذلك كان نبينا صلى اللّه عليه وسلم ، كان كما قال اللّه
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 600
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٦٠٠