على درب الفناء مخطر ، وكم به من مفازة ومهلكة ؟ والسلوك على درب البقاء آمن . فإنه درب عليه الأعلام والهداة والخفراء . ولكن أصحاب الفناء يزعمون أنه طويل . ولا يشكون في سلامته ، وإيصاله إلى المطلوب . ولكنهم يزعمون أن درب الفناء أقرب وراكبه طائر ، وراكب درب البقاء سائر .
والكمل من السائرين يرون الفناء منزلة من منازل الطريق . وليس نزولها عاما لكل سائر .
بل منهم من لا يراها ولا يمر بها . وإنما الدرب الأعظم والطريق الأقوم : هو درب البقاء ، ويحتجون على صاحب الفناء بالانتقال إليه من الفناء ، وإلا فهو عندهم على خطر . واللّه المستعان . وهو سبحانه أعلم .
منزلة الفقر
ومن منازل
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
منزلة « الفقر » .
هذه المنزلة أشرف منازل الطريق عند القوم ، وأعلاها وأرفعها . بل هي روح كل منزلة وسرها ولبها وغايتها .
وهذا إنما يعرف بمعرفة حقيقة « الفقر » والذي تريد به هذه الطائفة أخص من معناه الأصلي .
فإن لفظ « الفقر » وقع في القرآن في ثلاثة مواضع .
أحدها : قوله تعالى :
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ
[ البقرة : 273 ] الآية ، أي الصدقات لهؤلاء . كان فقراء المهاجرين نحو أربعمائة . لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر . وكانوا قد حبسوا أنفسهم على الجهاد في سبيل اللّه . فكانوا وقفا على كل سرية يبعثها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وهم أهل الصفة . هذا أحد الأقوال في إحصارهم في سبيل اللّه .
وقيل : هو حبسهم أنفسهم في طاعة اللّه . وقيل : حبسهم الفقر والعدم عن الجهاد في سبيل اللّه .
وقيل : لما عادوا أعداء اللّه وجاهدوهم في اللّه تعالى أحصروا عن الضرب في الأرض لطلب المعاش . فلا يستطيعون ضربا في الأرض .
والصحيح : أنهم - لفقرهم وعجزهم وضعفهم - لا يستطيعون ضربا في الأرض ، ولكمال عفتهم وصيانتهم يحسبهم من لم يعرف حالهم أغنياء .
والموضع الثاني : قوله تعالى :
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ
[ التّوبة : 60 ] الآية .
والموضع الثالث : قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ
« 1 » [ فاطر : 15 ] .
هامش
( 1 ) وذكر الفقر في غير هذه المواضعالشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ[ البقرة : 268 ]إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ[ البقرة : 271 ]لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ[ آل عمران : 181 ]وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ[ النساء : 5 ]إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما[ النساء : 135 ]وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ[ الحج : 28 ]إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ[ النور : 32 ]وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ[ محمد : 38 ]لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ[ الحشر : 8 ] .