وقد تنوعت عبارات القوم عنها . وغالبهم يخبر عنها بأنها ترك العادة .
ومعنى هذا : أن عادة الناس غالبا التعريج على أوطان الغفلة ، وإجابة داعي الشهوة ، والإخلاد إلى أرض الطبيعة . والمريد منسلخ عن ذلك . فصار خروجه عنه : أمارة ودلالة على صحة الإرادة . فسمي انسلاخه وتركه إرادة .
وقيل : نهوض القلب في طلب الحق .
ويقال : لوعة تهوّن كل روعة .
قال الدقاق : الإرادة لوعة في الفؤاد ، لذعة في القلب ، غرام في الضمير ، انزعاج في الباطن ، نيران تأجج في القلوب .
وقيل : من صفات المريد : التحبب إلى اللّه بالنوافل ، والإخلاص في نصيحة الأمة ، والأنس بالخلوة ، والصبر على مقاساة الأحكام ، والإيثار لأمره ، والحياء من نظره ، وبذل المجهود في محبوبه . والتعرض لكل سبب يوصل إليه . والقناعة بالخمول . وعدم قرار القلب حتى يصل إلى وليه ومعبوده .
وقال حاتم الأصم : إذا رأيت المريد يريد غير مراده ، فاعلم أنه أظهر نذالته .
وقيل : من حكم المريد : أن يكون نومه غلبة ، وأكله فاقة ، وكلامه ضرورة .
وقال بعضهم : نهاية الإرادة : أن تشير إلى اللّه . فتجده مع الإشارة . فقيل له : وأين تستوعبه الإشارة ؟ فقال : أن تجد اللّه بلا إشارة . وهذا كلام متين « 1 » .
فإن المراتب ثلاثة :
أعلاها : أن يكون واجدا للّه في كل وقت . لا يتوقف وجوده له على الإشارة منه ولا من غيره .
الثاني : أن يكون له ملكة وحال وإرادة تامة ، بحيث إنه متى أشير له إلى اللّه وجده عند إشارة المشير .
الثالث : أن لا يكون كذلك ، ويتكلف وجدانه عند الإشارة إليه .
فالمرتبة الأولى : للمقربين السابقين . والوسطى : للأبرار المقتصدين . والثالثة : للغافلين .
وقال أبو عثمان الحيري : من لم تصح إرادته ابتداء ، فإنه لا يزيده مرور الأيام عليه إلا إدبارا .
وقال : المريد إذا سمع شيئا من علوم القوم فعمل به : صار حكمة في قلبه إلى آخر عمره ينتفع به . وإذا تكلم انتفع به من سمعه ، ومن سمع شيئا من علومهم ولم يعمل به كان حكاية يحفظها أياما ثم ينساها .
وقال الواسطي : أول مقام المريد : إرادة الحق بإسقاط إرادته .
وقال يحيى بن معاذ : أشد شيء على المريد : معاشرة الأضداد .
وسئل الجنيد : ما للمريد حظ في مجازات الحكايات ؟ فقال : الحكايات جند من جند اللّه
هامش
( 1 ) بل هو متين في الإفصاح عن وحدة الوجود . فكل مشار إليه عندهم : هو ربهم . فأين تستوعبه الإشارة ؟
وغفر اللّه لشيخنا ابن القيم ورحمه اللّه .