ترك العزم . فإن العزائم لم تورث أربابها ميراثا أكرم من وقوفهم على علل العزائم » .
« معرفة علة العزم » هي نسبته إلى نفسه . فإذا عرف أن العزم مجرد فضل اللّه وإيثاره وتوفيقه ، وأنه ليس من العبد : فنسبته إياه بعد ذلك إلى نفسه علة قادحة فيه . فإذا لاح له لائح الكشف .
وشهد توحيد الفضل ، علم حينئذ علة عزمه . وهو نسبته إياه إلى نفسه ، ورؤيته له . فإذا عرف هذه العلة عزم على التخلص منها بالعزم على التخلص من العزم .
وهذا قد يسبق منه إلى الذهن تناقض وتدافع . فكيف يتخلص من العزم بالعزم ؟
ومراده : أن يعزم على التخلص من العزم المنسوب إليه بالعزم الذي هو مجرد فضل اللّه وموهبته . ولا تناقض حينئذ . فيتخلص من العزم بالعزم ، كما ينازع القدر بالقدر .
وأما « الخلاص من ترك تكاليف العزم » .
فهو أنه إذا تخلص من هذا العزم وتركه : بقيت عليه بقية . وهي رؤيته أنه قد ترك . فعليه التخلص من رؤية هذا الترك . فهو يطلب الآن الخلاص من رؤية ترك العزم . كما كان يطلب ترك العزم .
قوله : « فإن العزائم لم تورث أربابها ميراثا أكرم من وقوفهم على علل العزائم » .
مدار علل العزائم : على ثلاثة أشياء :
أحدها : فتورها وضعفها .
الثاني : عدم تجردها من الأغراض وشوائب الحظوظ .
الثالث : رؤية العزائم وشهودها ، ونسبتها إلى أنفسهم .
فإذا عرف هذه الثلاثة : عرف علل العزائم .
واللّه المستعان . وهو سبحانه وتعالى أعلم .
منزلة الإرادة
ومن منازل
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
منزلة « الإرادة » .
قال اللّه تعالى :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
[ الأنعام : 52 ] وقال تعالى :
وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ( 19 ) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ( 20 ) وَلَسَوْفَ يَرْضى
( 21 ) [ الليل : الآيات 19 - 21 ] وقال تعالى :
وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً
( 29 ) [ الأحزاب : 29 ] .
وقد أشكل على المتكلمين تعلق الإرادة باللّه . وكون وجهه تعالى مرادا .
قالوا : الإرادة لا تتعلق إلا بالحادث . وأما بالقديم : فلا . لأن القديم لا يراد .
وأوّلوا « الإرادة » المتعلقة به بإرادة التقرب إليه . ثم إنه لا يتصور عندهم التقرب إليه . فأوّلوا ذلك بإرادة طاعته الموجبة لجزائه .
هذا حاصل ما عندهم . وحجابهم في هذا الباب : غليظ كثيف من أغلظ الحجب وأكثفها .
ولهذا تجدهم أهل قسوة . ولا تجد عليهم روح السلوك ، ولا بهجة المحبة .
والطلب والإرادة عند أرباب السلوك : هي التجرد عن الإرادة . فلا تصح عندهم « الإرادة » إلا لمن لا إرادة له . ولا تظن أن هذا تناقض . بل هو محض الحق . واتفاق كلمة القوم عليه .