ثم لا ينكر حصوله بدون العلم . لكن صاحبه على غير بصيرة ولا وثوق به .
« وشيم برق الكشف » هو النظر إليه على بعد . فإن صاحب الحال : عامل على شيم برق الكشف . لأن شيم برق الكشف : يوجب نورا يأنس به القلب . فعزيمة صاحبه : على استدامته وحفظه .
وأما « الإجابة لإماتة الهوى » .
فهو أن السالك إذا أشرف على الكشف : أحس بحالة شبيهة بالموت ، حتى أن منهم من يسقط إلى الأرض . ويظن ذلك موتا . وهذه الحال من مبادئ الفناء فتهوى نفسه العود إلى الحجاب ، خوفا من الانعدام ، لما جبلت عليه النفس البشرية من كراهة الموت . فإذا حصل العزم أميت هذا الهوى ، ولم يلتفت إليه ، رغبة فيما يطلبه من الفناء في الفردانية . فإن الحقيقة لا تبدأ إلا بعد فناء البشرية .
وهذا الذي قاله حق ، لا ينكره إلا من لم يذقه . وإنما الكلام في مرتبته ، وأنه غاية أو توسط أو لازم ، أو عارض ؟ .
فشيخنا - رحمه اللّه - كان يرى أنه عارض من عوارض الطريق لا يعرض للكل . ومن السالكين من لم يعرض له البتة .
ومن الناس من يراه لازما للطريق لا بد منه .
ومن الناس من يراه غاية لا شيء فوقه .
ومنهم من يراه توسطا . وفوقه ما هو أجلّ منه وأرفع . وهو حالة البقاء . واللّه أعلم .
قال « الدرجة الثانية : الاستغراق في لوائح المشاهدة . واستنارة ضياء الطريق واستجماع قوى الاستقامة » .
هذه ثلاثة أشياء :
أحدها : فقدان الإحساس بغيره ، لاستغراقه في مشاهدته .
الثاني : « استنارة ضياء الطريق » .
يعني ظهور الجادة له ووضوحها . واتصالها بمطلوبه . وهذا كمن هو سائر إلى مدينة . فإذا شارفها ورآها : رأى الطريق حينئذ واضحة إليها ، واستنار له ضياؤها واتصالها بالمدينة ، وكان قبل مشاهدة المدينة على علم - أو ظن - يجوز معه أن يضيع عن باب المدينة . وأما الآن : فقد أمن من أن يضيع عن الباب . وكذلك هذا السالك : قد انقطعت عنه الموانع ، واستبان له الطريق . وأيقن بالوصول . وصارت حاله حال معاين باب المدينة من حين يقع بصره عليه .
وكحال معاين الشفق الأحمر قرب طلوع الشمس ، حيث تيقن أن الشمس بعده .
قوله « واستجماع قوى الاستقامة » .
يعني : تستجمع له قوى الظاهر والباطن على قصد الوصول والعزم عليه ، لمشاهدته ما هو سائر إليه . وهكذا عادة المسافر : أنه إذا عاين القرية التي يريد دخولها أسرع السير وبذل الجهد .
وكذلك المسابق إذا عاين الغاية : استفرغ قوى جريه وسوقه . وكذلك الصادق في آخر عمره :
أقوى عزما وقصدا من أوله ، لقربه من الغاية التي يجري إليها . واللّه أعلم .
قال « الدرجة الثالثة : معرفة علة العزم على التخلص من العزم . ثم الخلاص من تكاليف
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 552
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٥٥٢