قالوا : إنها معجزة للنبي صلى اللّه عليه وسلم . أعجز بها اليهود . ودعاهم إلى تمني الموت . وأخبر : أنهم لا يتمنونه أبدا . وهذا علم من أعلام نبوته صلى اللّه عليه وسلم ، إذ لا يمكن الاطلاع على بواطنهم إلا بأخبار الغيب . ولم ينطق اللّه ألسنتهم بتمنيه أبدا .
وقالت طائفة : لما ادعت اليهود : أن لهم الدار الآخرة عند اللّه ، خالصة من دون الناس ، وأنهم أبناؤه وأحباؤه وأهل كرامته ، كذبهم اللّه في دعواهم . وقال : إن كنتم صادقين فتمنوا الموت . لتصلوا إلى الجنة دار النعيم ، فإن الحبيب يتمنى لقاء حبيبه . ثم أخبر سبحانه : أنهم لا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم من الأوزار والذنوب الحائلة بينهم وبين ما قالوه . فقال : « ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم » .
وقالت طائفة - منهم محمد بن إسحاق وغيره - هذه من جنس آية المباهلة ، وأنهم لما عاندوا ، ودفعوا الهدى عيانا . وكتموا الحق : دعاهم إلى أمر يحكم بينهم وبينه . وهو أن يدعوا بالموت على الكاذب المفتري . و « التمني » سؤال ودعاء ، فتمنوا الموت ، وادعوا به على المبطل الكاذب المفتري .
وعلى هذا فليس المراد : تمنوه لأنفسكم خاصة كما قاله أصحاب القولين الأولين . بل معناه : ادعوا بالموت وتمنوه للمبطل . وهذا أبلغ في إقامة الحجة وبرهان الصدق ، وأسلم من أن يعارضوا رسول اللّه بقولهم : فتمنوه أنتم أيضا . إن كنتم محقين أنكم أهل الجنة . لتقدموا على ثواب اللّه وكرامته . وكانوا أحرص شيء على معارضته ، فلو فهموا منه ما ذكره أولئك لعارضوه بمثله .
وأيضا فإنّا نشاهد كثيرا منهم يتمنى الموت لضره وبلائه ، وشدة حاله ، ويدعو به . وهذا بخلاف تمنيه والدعاء به على الفرقة الكاذبة . فإن هذا لا يكون أبدا . ولا وقع من أحد منهم في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم البتة . وذلك لعلمهم بصحة نبوته وصدقه ، وكفرهم به حسدا وبغيا . فلا يتمنوه أبدا . لعلمهم أنهم هم الكاذبون . وهذا القول : هو الذي نختاره . واللّه أعلم بما أراد من كتابه .
وقال إبراهيم الخواص : الصادق لا تراه إلا في فرض يؤديه ، أو فضل يعمل فيه .
وقال الجنيد : حقيقة الصدق : أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب .
وقيل : ثلاث لا تخطىء الصادق : الحلاوة ، والملاحة ، والهيبة .
وفي أثر إلهي : « من صدقني في سريرته صدقته في علانيته عند خلقي » .
وقال سهل بن عبد اللّه : أول خيانة الصديقين : حديثهم مع أنفسهم .
وقال يوسف بن أسباط : لأن أبيت ليلة أعامل اللّه بالصدق أحب إليّ من أن أضرب بسيفي في سبيل اللّه .
وقال الحارث المحاسبي : الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كلّ قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه . ولا يحب اطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله . ولا يكره أن يطلع الناس على السئ من عمله . فإن كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم . وليس هذا من علامات الصديقين .
وفي هذا نظر . لأن كراهته لاطلاع الناس على مساوىء عمله من جنس كراهته للضرب
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 500
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٥٠٠