صلى اللّه عليه وسلم من مكة ، ودخوله المدينة . ولا ريب أن هذا على سبيل التمثيل . فإن هذا المدخل والمخرج من أجلّ مداخله ومخارجه صلى اللّه عليه وسلم . وإلا فمداخله كلها مداخل صدق ، ومخارجه مخارج صدق . إذ هي للّه وباللّه وبأمره ، ولابتغاء مرضاته .
وما خرج أحد من بيته ودخل سوقه - أو مدخلا آخر - إلا بصدق أو بكذب ، فمخرج كل واحد ومدخله : لا يعدو الصدق والكذب ، واللّه المستعان .
وأما لسان الصدق : فهو الثناء الحسن عليه صلى اللّه عليه وسلم من سائر الأمم بالصدق . ليس ثناء بالكذب . كما قال عن إبراهيم وذريته من الأنبياء والرسل عليهم السلام
وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا
[ مريم : 50 ] والمراد باللسان ههنا : الثناء الحسن . فلما كان الصدق باللسان ، وهو محله .
أطلق اللّه سبحانه ألسنة العباد بالثناء على الصادق ، جزاء وفاقا . وعبر به عنه .
فإن اللسان يراد به ثلاثة معان : هذا ، واللغة . كقوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
[ إبراهيم : 4 ] وقوله :
وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ
[ الرّوم : 22 ] وقوله :
لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
[ النّحل : 103 ] ويراد به الجارحة نفسها . كقوله تعالى :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
( 16 ) [ القيامة : 16 ] .
وأما قدم الصدق : ففسر بالجنة . وفسر بمحمد صلى اللّه عليه وسلم . وفسر بالأعمال الصالحة .
وحقيقة « القدم » ما قدموه . وما يقدمون عليه يوم القيامة . وهم قدّموا الأعمال والإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، ويقدمون على الجنة التي هي جزاء ذلك .
فمن فسره بها أراد : ما يقدمون عليه . ومن فسره بالأعمال وبالنبي صلى اللّه عليه وسلم : فلأنهم قدموها .
وقدموا الإيمان به بين أيديهم . فالثلاثة قدم صدق .
وأما مقعد الصدق : فهو الجنة عند الرب تبارك وتعالى .
ووصف ذلك كله بالصدق مستلزم ثبوته واستقراره ، وأنه حق ، ودوامه ونفعه ، وكمال عائدته . فإنه متصل بالحق سبحانه ، كائن به وله . فهو صدق غير كذب . وحق غير باطل . ودائم غير زائل . ونافع غير ضار . وما للباطل ومتعلقاته إليه سبيل ولا مدخل .
ومن علامات الصدق : طمأنينة القلب إليه . ومن علامات الكذب : حصول الريبة ، كما في « الترمذي » - مرفوعا - من حديث الحسن بن علي رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « الصدق طمأنينة . والكذب ريبة » .
وفي « الصحيحين » من حديث عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن الصدق يهدي إلى البرّ . وإن البر يهدي إلى الجنة . وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند اللّه صدّيقا . وإن الكذب يهدي إلى الفجور . وإن الفجور يهدي إلى النار . وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند اللّه كذابا » فجعل الصدق مفتاح الصديقية ومبدأها . وهي غايته . فلا ينال درجتها كاذب البتة . لا في قوله ، ولا في عمله ، ولا في حاله . ولا سيما كاذب على اللّه في أسمائه وصفاته ، ونفي ما أثبته ، أو إثبات ما نفاه عن نفسه . فليس في هؤلاء صدّيق أبدا .
وكذلك الكذب عليه في دينه وشرعه . بتحليل ما حرمه . وتحريم ما لم يحرمه . وإسقاط ما أوجبه ، وإيجاب ما لم يوجبه ، وكراهة ما أحبه ، واستحباب ما لم يحبه . كل ذلك مناف للصديقية .